حسب الأُصول…

عُلماءٌ مُسلمون لم يترك لهم الدهر ساقياً يتحرَّكون وهُم يعرفون من أين، لكنَّهم لا يعرفون إلى أين، فما بين نُقطة البداية المعلومة ونُقطة النهاية المجهولة المستهدفة تمتدُّ صحراءٌ من الغرائز البدائية والأمراض والعُقد النفسية ورمالٌ مُتحرِّكةٌ من سياساتٍ مُتنازعةٍ مُتكارهةٍ مُحرِّضةٍ على بعضها البعض، وكُلٌّ منها يتمنَّى لو يُطْبِقُ بخيله ورجله وفقهه وعلمه على الآخر المُختلف، ولذلك يتحرَّك عُلماءٌ آخرون من الضفَّة الأُخرى يُلهبون ظُهور جيادهم بالسياط، ليصلوا إلى عُقول وقُلوب الناس قبل أُولئك الذين يمشون الهُوينى كَجَمَل «أُمّ الخيار» :

«تسألني أُمّ الخيار جَمَلاً

يمشي رُويداً ويكون أوَّلا»

وفي الأخير يصل الجميع – مع فارق التوقيت – إلى سُوق «عكاظ» الدُّنيادينية، فيعرضون ثُومهم وبصلهم وعدسهم وعجزهم وما تيسَّر من الفتاوى ممَّا خفّ حمله وغلا ثمنه، ثُمَّ يتفرَّق الجمع كُلٌّ إلى سُلطانه ووليّ أمره ونعمته للسلام عليه وتقديم فُروض الطاعة والولاء والنُّصح له بما يُوافق هواه ويُثبِّت قواه ويُشتِّت عداه ويصون حِماه، وأن يحفظ اللَّه له الأهل والولد والبطانة السند والطريق والتلد.

هذا على مُستوى الدُّنيا، أمَّا عن الأُخرى، فيضمنون له الجنَّة، بلا حسابٍ ولا مِنَّة، كيف لا وهُو ظِلُّ اللَّه في الأرض وآيته في الخلق، حتَّى وإن سار فيهم سيرة «فرعون»، وَجَمَع من أموالهم فوق ما جمع «قارون»، وجزَّ من رقابهم ما يُباهي به «الحجَّاج» و«صدَّام» و«بُوش» و«نيرون»، وبعد أن ينالوا المقسوم ممَّا هُو مُتعارفٌ عليه ومعلوم، يُردِّدون في دواخلهم : «ولا تنسى نصيبكَ من الدُّنيا»، ثُمَّ يعودون إلى فُرشُهم الوتيرة وأطايب مآكلهم المُثيرة وأقمار دُورهم المُنيرة، بعد أن أدُّوا الرسالة وبلَّغوا الأمانة ونصحوا الأُمَّة وأزاحوا الغُمَّة ولم يبقَ إلاَّ أن يُقبِّل العُموم، من حَمَلَة الهُموم، أياديهم الكريمة ويتبرَّكوا بما يتساقط من شَعْر لحاهم الكثَّة الفخيمة على اختلاف ألوانها : الأسود بلون أجنحة الغُراب، والأحمر بلون الحنَّاء المُذاب، والميكس – «المزيج» فضَّة، ذهب، على حدّ «شوقي» – ثُمَّ الأبيض غير المغشوش كالعِهْنِ المنفوش، وكُلُّه «ولايتي» ما يحتاج «صبِّن والبس»، يفوح بدُهن العُود ونفح المسك والعنبر، وأقلّه البخور اللَّحجي المعدود في ليالي السُّعود.

ولأنَّ المسألة ليست «سَدَاح مَدَاح» – على حدِّ تعبير «أحمد بهاء الدِّين» – فإنَّ الإسلام السياسي المُسلَّح بالبارود، يهجم على العامَّة، بدوره، هجمة الغضنفر المشدود المحرود، بضاعته من الدِّين مُنتقاةٌ حسب الحاجة، ولا ضرورة للاستزادة، لأنَّ «كُثر الوضوء يُوسِّخ السجَّادة»، على حدِّ رأي السُّذَّج، الذين لا يعرفون الطهارة الثورية وما فيها من الأرزاق الجليَّة، وهذا لأنَّ الزُّعماء – وليس السُّذَّج – مُغرمون بتهييج الأزمات، لكنَّهم يغفلون عن الاستعدادات، فلا وقت لديهم للإعداد طالما والوقود من الأطفال والنساء والشُّيوخ موجود، هُم يدرعون الأرض، يهبطون في أعماقها، فلا تسمع لهم حسيساً، لقد تركوا الخلق للخالق ولطائرات (إف 61) وللصواريخ التي تكُبُّ العمارة المُتطاولة على وجهها في لمح البصر، بما فيها وَمَنْ فيها، ويا رُوحي ما بعدك رُوح، هذا هُو شعارهم، وإن قالوا بألسنتهم غير ذلك.

الإسرائيليون يتمنُّون لو يُصبحون يوماً فيجدون غزَّة قد ابتلعها البحر كما ابتلع «إطلاخطس» القارَّة المفقودة، والإسلاميون يقولون إنَّهم غير مُبالين ولو هُدمت غزَّة عن بكرة أبيها، حيثُ لا صوت يعلو على صوت القيادة، يا عباد اللَّه : الناس، الأطفال، النساء، مصادر الأرزاق، الصدمة والترويع، الوحدة الوطنية، العُمق العربي، فليس بالإحراج تستقيم أُمور السياسة، وليس بالتشهير تُبنى الوحدة الوطنية، وليس بالتفتيت يتمّ رأب الصدع، ثُمَّ المصداقية التي تلاشت في رياح التكتيكات المُخاثلة : «وَأَوْفُوْا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُوْلا»، وما لا يُدرك كُلّه لا يُترك جُلّه، وطبعاً بين الإسلام النصِّي المُجترّ والإسلام الثوري المُغترّ شراذم من أفكارٍ أصيلةٍ ودخيلةٍ وهجينةٍ تخوض حُروباً مضمونة الخسارة، وإلى أن ترسو سفينة «نوح» في ميناءٍ آمنٍ مُتَّفقٍ عليه، ستكون جُلودنا قد وصلت إلى المدابغ لدباغتها حسب الأُصول، ولا حول ولا قُوَّة إلاَّ باللَّه.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s