ملوك الاحتضار

مزاد الكلام العربي مفتوح على مصراعيه من المحيط إلى الخليج.. الأسلحة مصنوعة من الكلام، والنصرة مشاءة على تلال من الكلام، والناس يخوضون في بحر من الكلام يتعثرون بالأحرف ويسقطون على جثث الجُمل، وينامون فيحلمون بالكلمات ترسم لوحات النصر البيضاء بعد أن تنقض كالصقور وتدر السمن والعسل كالأبقار الهولندية ومناحل “جروان”, هنيئا لأطفال غزة موائد المن والسلوى من إخوانهم العرب، هنيئا للشهداء فيصلهم نصيبهم من العطاء إلى قبورهم، هنيئا للذين لم يموتوا بعد وعليهم أن لا يملوا الانتظار فسيأتيهم موتهم على أطباق من النابلم أو على أجنحة صواريخ أمريكية متينة الصنع دقيقة التصويب، ليس لها عيون ترى بها، فما حاجتها إلى ذلك، فالطفل يمكن أن يكون مقاتلاً حين يشتد عوده، والمرأة لايدري أحدكم من هذه القنابل البشرية ستنجب لذلك وجب التشريع ولا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.
الكلمات وحدها لا تستطيع الصواريخ إشعال النار فيها, ولذلك اعتمدها العرب سلاح دمار شامل، وهذه عبقرية فريدة للتحرير وللردع، ولتبرئة الضمير من شوائب الذنب، ليحرق الأعداء ديارنا وليدوسوا بجنازير الدبابات على أجسادنا، وليلوثوا مياهنا، فعندنا لهم الكلمات، والحناجر الصادحة والمسيرات الشاجبة. الجميع الآن يدعوننا إلى الجود بالكلمات، والجود بالصوت أعلى غاية الجود: وبالروح.. بالدم.. نفدي أي شيء ساكناً أو متحركاً أو متفجراً, أرواحنا من كلمات تلمع كالذهب المغشوش، ودماؤنا تشخب كلمات تتفجر كألعاب الأطفال النارية مخلفة وراءها روائح بارودية كريهة. قلبنا المعادلات المعروفة، كان القول: إذا تحدث الرصاص قطعت الألسن، أما نحن أمة الكلام، فإن أول حربنا كلام وآخر دعوانا كلام وبين الكلام والكلام أرض محروقة ترثي الكلمات فيها الكلمات.
يقول مظفر النواب: “ألا ننتهي؟ صار صوت الملقن أعلى من البهلوان المهرج فوق رؤوس الجماهير”.. وهنا مربط المفرس في الجماهير المليونية التي تفرغ طاقاتها في الشعارات والصراخ، حتى أنه لا وقت للتفكير فيما هو أجدى لإنقاذ طفل من التجمد من البرد، أو لإسعاف مصاب ينزف حتى الموت أو حتى للمساعدة في رفع الأنقاض لإكرام الموتى بدفنهم. صناعة الخطابة أصبحت الصناعة الأولى في العالم العربي تضج بها منابر المساجد واستديوهات الفضائيات، وحناجر ثوار الخمسة نجوم، وحتى الأطفال أصبحنا نعلمهم كيف يرتلون كلاما لا يفهمونه وجملا لم يصيغوها، نلبسهم الكوفيات ونضعهم أمام الميكرفونات ونحارب براءتهم لنغطي على وهننا وضعفنا وعجزنا وهواننا على أنفسنا وعلى المجتمع الدولي وعلى رب العالمين الذي يأمرنا بإخراج الذين أخرجونا من ديارنا “وقتالهم فلا يكون ردنا سوى الحرب بالكلمات، وطلب النصرة منه, متجاهلين: “إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.
محمود درويش “للحقيقة وجهان والثلج أسود فوق مدينتنا” لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا. من سينزل أعلامنا: نحن أم هم، ومن سوف يتلو علينا “معاهدة اليأس” يا ملك الاحتضار. كل شيء معد لنا سلفا. من سينزع أسماءنا عن هويتنا، أنت أم هم! ومن سوف يزرع فينا خطبة التيه: “لم نستطع أن نفك الحصار، فلنسلم مفاتيح فردوسنا لرسول السلام وننجو..”
يتنبأ بكلمات غير الكلمات, يخاطب حاكماً عربياً ما: “لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة، لكن عرشك نعشك، فاحمل النعش كي تحفظ العرش يا ملك الاحتضار، إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار, كل شيء معد لنا فلماذا تطيل النهاية يا ملك الاحتضار؟!

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s