لست ملمَّاً.. ولكن

لست ملمَّا بتفاصيل التفاصيل وما أكثرها، وما أمكرها، في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، والتي مضى عليها عشرون عاما بالوفاء والتمام، دون نتيجة تذكر، سوى إعادة طحن ما قد تم طحنه لإيهام المتابع بأن الطاحونة تعمل والمزاج عال العال و”ما قدر الله يكون” على حد قول المغني الذي بح صوته من الغناء وبقي أن يضربه الرواد الذين أدمنوا الدوران بين حانة وحانة بالبيض الفاسد والطماطم الخايسة، وعيب علينا أن نقول بـ”قنادر” الزيدي فما يصلح لجورج قد لا يصلح لـ”دوج”، وذلك فقط من أجل إراحتهم من هذا النشاز الذي يساوي بين الخيار والفقوس ويخلط البر بالشعير والسياسة بالاقتصاد وقد فعلها مجلس التعاون الخليجي بالخروج على سياسة “نعم” أي لا ونعم في الوقت ذاته، حين قال للأوروبيين “ستوب” بانجليزية فصيحة وعلق المفاوضات، وهذا مؤشر جيد جيداً لامتلاك القرار السياسي الذي طال انتظاره وطال مطاله، ذلك أن التعقل الزائد على الحد، غير المبرر وغير المجدي هو نوع من الضلالة في عالم تحكمه المصالح ويأكل فيه الكبير الصغير، إلا أن يكون مزودا بسلاح سام مضاد ومن نوع الطير الذي لا يؤكل لحمه. أوروبا بعد القرار الخليجي بتعليق المفاوضات ستتحاور مع نفسها وتزن مصالحها بين أخذ وعطاء، بعد أن تعودت الأخذ عن طريق المزيد من الضغط على الجروح النازفة في أجساد دول العالم الثالث المدماة و”فين يوجعك” على حد تعبير المثل المصري.. طبعا لم يتوقع الأوروبيون هذا القرار قياسا على تجارب سابقة مع العرب الذين يتوعدون ولكنهم لا يقدمون، كبرق سحابة لم تمطر، ولطالما أنشدنا محرضين ومنبهين ومذكرين بما قيل في مجلس هارون الرشيد ليستنقذ حكمه من يد البرامكة الذين كان الناس يقصدون أبوابهم أكثر مما كانوا يقصدون أبواب الرشيد وأبنائه، حتى صدحت المغنية بقول عُمر أبي ربيعة:

ليت هنداً أنجزتنا ما تعد

وشفت أنفسنا مما تجد

واستبدت مرة واحدة

إنما العاجز من لا يستبد

ففهمها هارون وكان ما كان من أمر البرامكة، فكأن لم يكونوا وكنا دائما نسمع صدى أصواتنا تردده الصخور وليس قلوب الرجال وعزائم الفرسان وتوقد الأذهان فتردد:

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

شخصيا ما همني صادرات البتروكيماويات والألمنيوم وواردات السيارات والعطور، ففي هذه الأمور “للكعبة رب يحميها” والسوق العالمي يستهلك حتى التراب إذا تمت تعبئته وتصديره، ولكن أطربني قول “لا” بعد ألف نعم ونعم، ذلك أن الحضارات والعزائم والإبداع تنبع من “لا” التي ترتب مسؤوليات تتخندق فيها الشعوب وتتكاتف فيها الموارد، وتتخذ عبرها القرارات الشجاعة، وقد لمست في الآونة الأخيرة هذا النوع من الاندفاع الإيجابي في المشاركة الخليجية غير الهيابة لمناقشة ملف إيران النووي والمساعي الشفافة المبرمجة لامتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، واتخاذ موقف صريح من الصراعات الفلسطينية العبثية، وخاصة تلك المرتهنة لسياسات إقليمية، والإعلان عن عدم دعوة الرئيس الإيراني لقمة مسقط، فما جدوى أن تستضيف من لا يرى في سياستك سياسة، والاندفاع نحو العراق ليعود إلى سربه العربي الخ… روح المبادرة هذه مطلوبة ولن تكون الطريق أمامها مفروشة بالورود، ولكنها ستعلن بقوة عن تكتل إقليمي يعرف حدوده وحدود الآخرين، ويضع المخاطرة في حساباته ليكون مهابا لالعاباً يزدرده الآخرون ويطلبون ثمنا لذلك.

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه… الخ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s