مزاينة ومراهنة

مزاينة الإبل

تنطلق في أبوظبي اليوم مهرجان (مزاينة الإبل) بمشاركة 24 ألفاً من الإبل التي تعود لألفين من كبار الملاك في الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، وقد جاءت هذه الإبل على متون الناقلات البرية وسيراً على الأقدام لتكون جاهزة ليوم العرض الأكبر في مدينة زايد بالمنطقة الغربية من إمارة أبوظبي، والمزاينة كلمة مشتقة من (الزينة) وجمال المنظر، لذلك فالمهرجان في عالم الإبل يشبه مسابقات ملكات الجمال في عالم البشر، ولكننا لم نسمع قط بمثل هذا العدد في عالم الحسناوات اللواتي يتفصّعن على المسارح كاسيات عاريات أمام أنظار المحكّمين الذين يشبهون باعة الرقيق في أسواق النخاسة. قديماً، حيث كانت تجري بعض العروض، ومن حق المشتري أن يفحص كل شيء، وأن يأخذ المتعوسة المنحوسية إلى فراشه مع ضمان إرجاع البضاعة واسترداد الثمن إذا ظهر فيها ما يعيب مما يخالف عقد البيع والشراء. ومن أراد المزيد من التفكّه فليرجع إلى كتاب (تاريخ ثغر عدن) لـ (بامخرمة)، حيث كان يوجد سوق للرقيق الوارد من الشرق ومن أفريقيا بجانب أسواق الأغنام والإبل والتوابل.

والإبل بالنسبة لعرب الجزيرة مكوّن أساسي في تاريخ المجتمع واقتصاده وحركة تنقله، وقد احتلت مكانة بارزة إلى جانب الخيول في الشعر الجاهلي والإسلامي، والقرآن الكريم قدّم لهذه المخلوقات صورة خلابة في تدفقها على مكة في موسم الحج {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍّ عميق}، ومن أجمل صور الشعر العربي تلك اللوحة التي رسمها جميل بن معمر بعد انتهاء المسوم:

ولما قضينا من منى كل حاجة : ومسح بالأركان من هو ماسح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا : وسالت بأعناق المطيّ الأباطحُ

الإبل اليوم تعيش عصرها الذهبي في الخليج، فقد رفعت السيارات والطائرات عنها العناء والمشقّة، وأصبحت تربّى من أجل لحومها وألبانها، وللسباقات التي يقبل عليها ويرعاها كبار القوم، أما عن المغالاة في أثمانها فحدّث ولا حرج، وقد قدرت قيمة الـ 24 ألفاً من الإبل المشاركة اليوم بـ 8 مليارات درهم إماراتي، أما الجوائز التي تم تخصيصها للزين فالأزين، وللمليح فالأملح من سفن الصحراء فتبلغ 40 مليون درهم، ناهيك عما سيكسبه الملّاك من البيع والشراء. وفكرة تكريم الإبل وإحياء تراثها وما يتعلق بها من صناعات يدوية تعود إلى المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الرجل الذي ظلّ وفياً للموروث بكل صوره وتجلياته.

هذا عن الإبل في الإمارات، فماذا عن السيارات في أمريكا، الحاضن الأول لهذه الوحوش المعدنية التي غلبت خيول الغرب الأمريكي الشهيرة، وطبعت العصر بطابعها، وغزت أركان العالم الأربعة حتى أصبحت من الضروريات الكبرى، هذه الصناعة تمر هذه الأيام بمرحلة خريف العمر، وإذا داهمها الشتاء – وقد أوشك – دون إنقاذها فستصبح في ذمة التاريخ أثراً من آثار الماضي، أما السبب فليس ما اعترى الإبل من الإحلال المتقدّم لبدائل متطورة، فالسيارات ما زالت وسيلة النقل المفضلة، وإن كانت توشك على دخول عصر جديد وقودها فيه الكهرباء بدلاً من البنزين، أما سر محنتها فيعود إلى أن الأمريكيين أدمنوا الشراء بالدّيْن عبر بطاقات الإئتمان، وقد جف هذا النبع حين جفّت السيولة في البنوك التي تبحث عن ديونها القديمة، وليست مستعدة للمغامرة بما لديها من احتياطيات أو ما استدانته من الحكومة المركزية، وهكذا اصطفت ملايين السيارات الجديدة على الأرصفة وفي الموانئ دون وجود مشترين. ومن غرائب الأزمنة نزول إعلانات من نوعية “اشتر سيارة وخذ الثانية مجاناً”…! يا سبحان الله، هكذا هانت السيارات التي كان الإنسان ينتظر دوره بالحجز ولعدة أشهر حتى يحصل على الموديلات الجديدة منها، ومع ذلك نقول “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم”، فالأزمات الطاحنة – حتى في حالات الأفراد – غالباً ما تتمخص عن أفكار جديدة، وتكشف عن مواهب كانت مدفونة في طمأنينة الاعتياد تحت شعار “ليس في الإمكان أبدع مما كان”، هذه الصناعة الآن في حالة رهان “أن تكون أو لا تكون”، ذلك هو السؤال كما يقول شكسبير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s