التكبُّر على المتكبِّر صدقة

وجد العالم المصدوم بتداعيات الأزمة المالية الطاحنة وما كشفت عنه من مخالفات جسيمة وعمليات نصب على المكشوف وانهيار شركات كبرى تجثم على ركبها الآن طلبها للعون والمساعدة بعد أن كانت رموزاً للثروة والنجاح كشركات السيارات الكبرى في الولايات المتحدة – وجد نفسه مندفعاً إلى التسلية والفكاهة والتندر على الرئيس جورج بوش وما جرى له في عاصمة الرشيد من وداع “بالورود والوعد والوعود” حتى أن اسمه اللصيق به منذ أسماه به أبوه جورج بوش الكبير قد تغير بفعل فاعل وحذاء طائر من جورج بوش إلى جورج شوز، ولم يجد رجال الكوميديا حرجاً في إغناء مسارحهم وشحذ قرائحهم وإضحاك جماهيرهم بهذا المقطع الخارج على النص عقب ثمان سنوات من حكم “قراقدش” واشنطن ومسرحيته المملة المليئة بالعنجهية والصخب وغياب البصر والبصيرة ورسم اللوحات الجدارية بدماء الشعوب المظلومة، ثم الحديث عن كل ذلك من زاوية الإلهامات الإلهية والتكليفات الرسولية وهو نوع من الخلط المرضي لكل من تتوفر لديه القوة المفرطة والمال السائب ولا يتوفر الرشاد والعقل المستنير والحكمة التي تتأكد من القياس عشر مرات قبل استخدام المقص.
لكأن العالم كان يتوقع مفاجأة من هذا النوع الكوميدي الأسود قبل أن يغادر بوش المسرح السياسي اعتماداً على قاعدة إن الله يمهل ولكنه لا يهمل، ورب عمل رمزي أبلغ من معركة تتكسر فيها النصال على الفصال، وقد أخذت المنتديات الالكترونية التي تنتشر بسرعة البرق تخوض في استقصاء أبعاد رمية الحذاء التي نفذها بحرفية مارادونا الصحفي منتظر الزيدي، وقد أشعرني وهو يرمي فردتي حذائيه بقوة واستقامة أنه قد مر في حياته بطور راعي قطيع معز، فهؤلاء وحدهم يتدربون جيداً على إصابة الأهداف بالحجارة الونانة وإلا تفرق شمل القطيع “الأول للذيب والأخير لأمه”..
ولم يجد رؤساء ومسئولون دوليون حرجاً في المشاركة والتفكه وتعميق جرح جورج بوش الذي قال إن هذا هو أغرب حادث مر خلال رئاسته، وهو هنا لا يتخيل ما سوف يقال ويحرر بعد أن يتحول من بطة عرجاء إلى بطة عمياء صماء بكماء تنقر في ظلام زاوية البيت، وقد علق وزير خارجية اسبانيا موراتينوس بالقول” إن الصحفي العراقي عبر عن غضب العالم الإسلامي إزاء الإدارة الأمريكية”، وفي بكين وهي أرض الكياسة والسلاسة والديبلوماسية علق الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية ليوجيان تشاو بالقول: إنه سيراقب الصحفيين خلال المؤتمرات خشية خلع أحدهم حذاءه مؤكداً: ربما عليّ الآن أن لا أنظر فقط لمن يرفعون أيديهم ولكن لمن يخلعون أحذيتهم أيضاً” وفي فينزويلا وصف الرئيس هوجو شافيز في تشفٍّ لا يخفى على المتابع لعلاقة الرجلين اللدودة، وصف الزيدي بأنه شجاع، أضاف: أنا لا أشجع على رشق أي أحد بالأحذية، ولكن يالها من شجاعة حقاً.. كأنما يتمنى لو يملك الشجاعة لفعل مثل ذلك حتى يشفي غليله، الموسيقي العراقي الشهير نصير شمه اعتبر أن الحذاء هشم آخر ما تبقى من كرامة أمريكا وأن بوش يستحق ما جرى له خصوصاً بعد أن خرج علينا أخيراً ليتحدث عن معلومات خاطئة كانت السبب في اجتياح العراق بعدما دمر البلد تماماً.. ومن العناوين الساخرة التي سوقها موقع “فيس بوك” “ربما تكون الجزمة بداية لحل الأزمة”، “الحجاج رموا الشيطان بالحصى والزيدي رمى بوش بالجزمة” و”مكأفاة نهاية الخدمة بوش يضرب بالجزمة” أما تعليقات الموقع فمنها “دخلنا مرحلة ضرب الزعماء بالجزم” وطبعاً فإن أمريكا ستدخل الصحفيين عراة بعد الحادثة، وأخيراً تعليق يقول: آمل أن يعرف بوش قدر محبته في العالم الإسلامي.
وفي تقديري أنه ما من إعلامي عاقل يشجع هكذا أسلوباً للحوار بالأحذية ولكن ما دام الأمر قد حدث فلا بأس من أن يضحك العالم قليلاً، ذلك أن كل نفس بما كسبت رهينة، وكما في المأثور: فإن التكبر على المتكبر صدقة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s