حذاء الزيدي

أثبت الرئيس الأمريكي جورج بوش والذي يتأهب للسير حافياً على أشواك التاريخ “ومن كتبت عليه خطىً مشاها” أثبت أنه خبير بالأحذية لا يشق له غبار، فقد عرف دون أن يقول له أحد – كما هي العادة – أن الحذاء الطائر الذي أرسله له هدية مسمومة الصحفي العراقي منتظر الزيدي رقمه 44، ولا شك أن الرئيس كان ماهراً في الروغان، فقد (حاص) كي لا يقع الفأس في الرأس، ولو كان في عمله السياسي بمثل هذه المهارة لكان قد جنب نفسه وبلاده والعالم مآسي كثيرة، ولأرسى من الحريات ما يفيد وينفع ويشفع أكثر من حرية الرمي بالأحذية التي لا تبني عشاً ولا تشبع بطناً ولا تبدع شعراً ولا نثراً. وقد قال في غمرة المفاجأة غير المتوقعة، “إن الزيدي قام بذلك من أجل لفت الانتباه إليه، وهو الأمر الذي لم يقلقني ولم يزعجني، كما لم أشعر بأي تهديد، فأنا مقتنع بأن العراقيين ليسوا كذلك، وهذه أمور تحدث عندما تكون هناك حرية”.

وكلام الرئيس بدون شك مخالصة جميلة وذكية لحفظ ماء الوجه، وفي تقديري إن كلام بوش هو بمثابة (عفو رئاسي)، وقد بهرت بهذه الألمعية الآنسة كونداليزا رايس وزيرة خارجية بوش، فأخذت تعيد وتكرر بغبطة واضحة سر العلاقة الوثيقة بين الحرية ورمي الأحذية، ماسحة من الأذهان مقولة “أنا أفكر إذاً أنا موجود” لتصبح “أنا أرمي أو أُرمى بالحذاء (بضمة على همزة الألف) إذاً أنا موجود). وكما هي عادة العرب إذا ما أهين الضيف في دارهم، فإنهم بعد ذلك يحارون في ترضيته، فله العُتبى حتى يرضى، وبدون شك فإن تنازلات إضافية وتغييباً لأمور كان ينبغي أن تبحث بحزم وأفق وطني ستكون كبش الفداء ليصبح الأمر كما قال الشاعر:

يا ضيفنا إن جئتنا لوجدتنا … نحن الضيوف وأنت رب المنزل

وعلى كل حال فللأحذية تاريخ وأي تاريخ، وهي بمثابة الذباب الذي قال عنه أحد العلماء الأحرار أن الله تعالى خلقه لكي يذل به الجبابرة، حيث لا يستطيعون له دفعاً ولا منعاً، ولعل أبناء جيلي يتذكرون حذاء أبي القاسم الطنبوري في كتاب القراءة للصف الأول ابتدائي، وهو كما يعرّفه المنجد “رجل اسطوري حاكت العامة الأخبار المضحكة حول حذاء له”، ولعلكم سمعتم بـ (خفي حنين) وفيها مشابهة بقصتنا اليوم، ولو من بعيد، إذ أن حنين نصب شركاً لصاحب جمل مسافر يحمل ما لذ وطاب، فرمى فردة من حذائه في طريق الرجل، فأخذها بيده وأعجب بها، قائلاً: “ما كان ضر صاحبها لو رمى الفردتين وبذلك استغنى عنها”، فلما سار مسافة وكان حنين قد سبقه ووضع أمامه الفردة الثانية، فندم الرجل وتعجب من غباء نفسه كيف أنه لم يحتفظ بالأولى، وقد صمم ألا يفوت الفرصة، فربط الجمل إلى شجرة وعاد سريعاً من حيث جاء ليجمع الفردتين وليدخل على حليلته بهذا المركوب العجيب، وقد اغتنم حنين الفرصة فأخذ الجمل بما حمل، وحين عاد صاحبنا لم يجد جمله فأدرك الحيلة، وعلم حين العلم لا يجدي الفتى، فعاد إلى البيت مهموماً مغموماً، فلما سألته زوجته عما عاد به من رحلته المضنية فرد بحزين “لقد عدت بخفي حنين”.

ولا أدري إن كان الرئيس الأمريكي قد عاد بخفي حنين الزيدي أم إنه ومرافقوه لم يدركوا القيمة الرمزية والتاريخية لهذا الحذاء الذي قد يصبح تاج المتحف الحذوي في يوم من الأيام، وقد يعرض على الانترنت بأغلى الأثمان، وربما استعادته الشركة المصنعة بأي ثمن لتضعه في واجهتها رمزاً لتشريفه، وتقديراً لاجتهاده وإن لم يصب. وفي التاريخ حذاء كافور الاخشيدي الذي خلده المتنبي:

وتعجبني رجلاك في النعل أنني … رأيتك ذا نعلٍ وإن كنت حافيا

وهناك حذاء نيكيتا خروتشوف الرئيس السوفييتي الذي استخدمه في الأمم المتحدة للتعبير عن الغضب والازدراء فشغل به العالم، وهناك أحذية (أميلدا ماركوس) التي جاوزت الألف عدداً ثم أصبحت مياسم يكوى بها جلدها المترهّل، وهناك تلك الأحذية الخشبية (القباقيب) التي سفك بها دم (شجرة الدر) في حمام منزلها في ثورة نسائية عارمة. وفي كل الأحوال فلكل رأس حذاؤه، ولكل حذاء رأسه… وسامحونا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s