إلى مَنْ يهمّه الأمر

جاءني صوته عميقاً دافئاً ودوداً وحاملاً للتفاؤل بوطنٍ ناهضٍ يُبنى بسواعد أبنائه، وليس على الدولة سوى أن تقوم بدور شُرطيّ المُرور النابه في تنظيم حركة السير وفكّ الاختناقات من أجل انسيابية المُرور باتِّجاه مُختلف أهداف التنمية، وفقاً لما تُمليه على الناس مصالحهم ومطامحهم التي تُمثِّل الحافز الأساسي للاستثمار وتحمُّل المخاطر والتعلُّم الميداني من التجربة والخطأ ومن الربح والخسارة ومن النجاح والفشل.
قال لي : «يقولون إنَّ رأس المال جبان، وهذا صحيحٌ في بيئةٍ اقتصاديةٍ تفتقر إلى الضوابط وعوامل الأمان، فما من أحدٍ لديه الاستعداد للمُغامرة بمُدَّخراته إذا لم يكُن مُؤمِّلاً الخير والعوائد المُجزية، وبغضِّ النظر عن النتيجة النهائية، فإنَّ التوفيق من اللَّه تعالى، لكنَّ العمل الدؤوب المُتميِّز المُنظَّم يُؤتي ثماره، طال الزمن أم قصر، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَه)».
أضاف : «هل تُصدِّق أنَّ الآلاف من اليمنيين يملكون أموالاً طائلةً هُنا وفي الخارج وبملايين الدُّولارات، وأكثرهم يدفنونها تحت المخدَّة أو البلاطة، كما يقولون، لأنَّهم لا يأمنون تلاشيها وتآكلها إذا خرجت إلى البناء والتعمير، بل أزيدكَ من الشِّعْر بيتاً، فإنَّ الكثيرين منهم يُظهرون الفقر والعوز ويلبسون الأسمال لكي لا يلفتوا الأنظار إليهم، وأكثر من ذلك فإنَّ البعض لا يُعرِّف حتَّى أهل بيته وأولاده بما لديه، فيضع نُقوده في البُنوك، مُحتفظاً لنفسه بمقاديرها وأرقامها السرِّيَّة، وكم من واحدٍ توفَّاه اللَّه فمات سِرّه معه وذهبت أمواله إلى البُنوك، إنَّ ما نحتاجه هُو البيئة الآمنة للاستثمار والسكينة والتفرُّغ للعمل، فما حاجتنا إلى ثلاثمائة جريدةٍ أو مطبوعةٍ لا همَّ لها سوى التخويف وإفزاع الاستثمار وإشغال العباد بالقيل والقال والاتِّهامات التي تتطاير ذات اليمين وذات الشمال، دُون أن يكون لها سقفٌ أو دليلٌ أو تُضيء مصباحاً في نهاية نفق البطالة أو السعي الجادّ إلى توفير فُرص العمل لجيل الشباب، الذين ملأوا المُدن والقُرى».
وقال : «لقد قضيتُ يوم العيد في تعز، ورأيتُ الشباب العاطلين في ربيع أعمارهم يملأون الشوارع، ثُمَّ ذهبتُ إلى القرية، فلم أعرفها كما عهدتها، لكثرة النُّشء الذين يُريدون الغذاء والتطبيب والتعليم والعمل، وهُم ثروةٌ حقيقيةٌ لو أحسنَّا استثمارها، وكارثةٌ ماحقةٌ لو أهملنا وتساهلنا فيما يجب علينا عمله تجاه مُستقبلهم، علماً أنَّ وطننا زاخرٌ بالموارد، غنيٌّ بالخبرات، قابلٌ للتقدُّم بسواعد الشباب الذين ينبغي أن نُقدِّم لهم النُّموذج الصالح والأمل، وأن نُعلِّمهم أنَّ الصُّعود إلى القمَّة مُعاناة، لكنَّ الشقاء والسعادة في تلك المُعاناة».
كان مُندفعاً في تفاؤله، وهُو الرَّجُل الذ يسير نحو قمَّة «إفرست» في عالم الأعمال مُنذُ (07) عاماً دُون أن يضعف أو يتراجع أو يشكو من الونى والتعب، لكنَّه كان يُعبِّر عن قليلٍ من الإحباط بسبب المطبَّات الصناعية من عمل البشر وبسبب القوانين التي لا تُواكب هوى العصر.
باركتُ له المشروع العمراني الضخم الذي وضعتْ له المجموعة حجر الأساس في لحج، «دار المنصور»، قبل أيَّام، وهُو يُماثل في تفاصيله كُبريات المشاريع في العالم العربي، (0055) شُقَّة، ألف فيلاَّ، (052) عمارةً ومرافق وحدائق ومدارس، بما يُشير «مدينةٌ سكنيةٌ عصريةٌ مُتكاملة»، تُكلِّف ستَّةً وثلاثين مليار ريال وسبعمائة وتسعين مليوناً.
قال لي : «يا ابني، نحنُ مجموعة السعيد إذا قُلنا فعلنا، قُلنا تجارة، فبلغنا الغاية، قُلنا صناعة، ومداخن المصانع تشهد على ذلك ولا تحتاج إلى بيان، ونقول اليوم بناء المُدن، وسيتحقَّق كُلّ ذلك بإذن اللَّه تعالى، بعد أن أعددنا العُدَّة وعقدنا العزم».
تذكَّرتُ مشاريع وهميةً أو شبه وهميةٍ يُعلن عنها، ثُمَّ تتلاشى كأن لم تكُن، وكأنَّما كان يقرأ أفكاري، فقال : «كُلُّ شيءٍ سيمضي وفق الجداول المُعلنة، وسترى»، تذكَّرتُ صديقي المُقاول «مُحمَّد عوض يافعي»، الذي قال لي : «لو استثمرتُ كُلّ مُدَّخراتي مع مجموعة السعيد، فلن أقلق لثانيةٍ واحدة، وسأنامُ قرير العين، فهؤلاء بنوا سُمعتهم على الأمانة والوفاء والإخلاص في العمل».
ختم العمّ «علي مُحمَّد سعيد» بحسرةٍ : «هذه كُلُّها خُبُوت، حتَّى الطير لا يمرُّ بها، لكنَّها ستُعمَّر إذا تركنا الناس تعمل وشجَّعناهم، والدولة ستأخذ حقّها كاملاً غير منقوص، فنحنُ جميعاً نعمل تحت مظلَّتها وبقوانينها».
شعرتُ أنَّ الحديث كان رسالة، ولذلك أكتب لِمَنْ يهمّه الأمر.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s