الحاج «مدبولي»…

الحاج مدبولي
الحاج مدبولي

هكذا عرفناه وعايشناه باسمه الأوَّل، «مدبولي»، وكان أشهر وأعرق من أن يتماهى مع أيِّ اسمٍ مُماثل، ثُمَّ أُضيف إليه في وقتٍ لاحقٍ مُسمَّى «الحاج»، لزوم الوقار والتقدُّم في السنِّ ودفعاً للنمائم والحسد، ولأنَّه أدَّى فريضة الرُّكن الخامس فعلاً، مع أنَّه ما كُلّ حاجٍّ يحمل الصفة، ذلك أنَّ للصفة اشتراطاتٍ أُخرى يضعها المُجتمع فيُثبِّتها أو يتجاهلها فينفيها.
الحاج «مدبولي» هُو أشهر بائع كُتبٍ في مصر، بنى سُمعته ومكتبته بدأب النملة وبصر الباشق وعزيمة المُرابط ودروشة الصُّوفي المأخوذ بالأنوار والإلهامات، وقد أصبح بعد نصف قرنٍ من مُكابدة مهنة «الوِرَاقة»، في مُستوى شُهرة «طلعت حرب باشا»، الذي يقف تمثاله في الميدان المُواجه لمكتبة «مدبولي» على بُعد أمتارٍ من «جُروبي» وميدان التحرير، وأمتارٍ أُخرى في الاتِّجاه المُضادّ من شارع «سُليمان باشا» الشهير.

الحاج ارتقى سلَّم الوِرَاقة خُطوةً خُطوة، وعلى مهله، فلم يكُن في عجلةٍ من أمره تجاه أيِّ أمر، بدأ بائعاً للكُتب على بسطةٍ في زاويةٍ من ميدان «طلعت حرب»، شأنه شأن البائعين على سُور الأزبكية القريب، لكنَّه اختار بسطته في قلب الأناقة والأُبَّهة و«الناس اللِّي ماشية على قشر بيض»، وكان في البداية نشازاً أو كالنشاز في تلك الأُوركسترا السياحية والجمالية والاستعراضية، ثُمَّ لم يلبث حتَّى تمكَّن من عصا المايسترو، ولم يَعُدْ هُناك معنىً لأيِّ شيءٍ بدُون تلك الجُوقة من الكُتب النادرة والمُحرَّمة التي يدسّها الحاج في دهاليز كتلك التي كان بُناة الأهرامات يُضلِّلون بها لُصوص المُقتنيات الثمينة لفراعنة مصر، والتي تُدفن معهم لاستخدامها في العالم الآخر، لكنَّ مُحرَّمات الحاج ليست من نوع مُحرَّمات «الباطنية» من بنات الكيف والطيران في عالم الدُّخان، لكنَّها من بنات الفكر واختراق أوامر ونواهي السُّلطات التي تخشى تأثير الكلمة أكثر ممَّا تخشى إطلاق النار.

وفي هذا الميدان تجلَّت فُروسية الحاج «مدبولي»، فلم يكُن هيَّاباً ولا وجلاً، وكانت له قنواته الخاصَّة مع بيروت، التي تخصَّصت في هذا النوع من النشر، ومثلما يقول مَثَلنا اليمني من أنَّ «الخبَّاز يعرف وجه المتغدّي»، كان الحاج «مدبولي» – رحمة اللَّه عليه – يعرف طالبي الوجبات الدسمة والنادرة من وجوههم، فيأتيهم بالمطلوب، «ولا من عرف ولا من دري»، وهكذا نشأت علاقةٌ سُرِّيَّةٌ بينه وبين آلاف المُثقَّفين الذين كانت القاهرة مهوى قُلوبهم من مُختلف أقطار الوطن العربي الكبير.
بعد البسطة كان الكُشك أنيقاً بسيطاً يُشبه أن يكون علامةً أكثر منه مكتبة، ثُمَّ توسَّع الحاج، فأخذ الدُّكَّان المُقابل، لتترسَّخ الجُذور بعد أن أصبح ناشراً يُشار إليه بالبنان، لكنَّه لم يتغيَّر، فقد ظلَّ في ملابسه القديمة ومنظره الذي يُشبه «الفلاَّح الفصيح» في المأثور الفرعوني، وحافظ على سيماء وجهه، فهُو قلَّ أن يبتسم، وإن كان الودّ يتدفَّق من كُلِّ نبضٍ فيه، كان يجمع في إهابه بساطة الفلاَّح المصري وقناعة وجذعنة ابن البلد وغُموض «أبي الهول» وعناد المُثقَّف الحقيقي، رغم أنَّه لم يكُن يحمل أيَّة شهادة، فهُو ابن الحياة، الجامعة الأعظم في الكون، وكان ناصريّ الهوى، ينطق هواه بألف لسانٍ فيما تعرض مكتبته، كما كان مُناوئاً لـ «السادات»، يحرص على طبع كُتب وأشعار وأزجال الذين ناصبوا «السادات» العداء من مُثقَّفي اليسار وأُولئك الذين تشرَّدوا في الأقطار بعد مُعاهدة «كامب ديفيد» سيِّئة الذِّكر.
رحم اللَّه الحاج «مدبولي»، الذي مضى إلى ربِّه قبل أيَّامٍ قليلة، فقد كان صاحب رسالة، ولم يُشارك بائعاً للكُتب أو ناشراً لها في انتقاص العقل العربي أو تمويهه أو نشر الخُرافات التي ملأت دُنيا الناس في زمن الهزيمة والانحسار.
وحين يهزّني الشوق إلى القاهرة، أتذكَّرُ النِّيْل العظيم، الذي وهب مصر الحياة، وأتذكَّرُ هضبة الأهرامات وحارسها «أبي الهول» وليالي سيِّدنا «الحُسين» في رمضان ومكتبة الحاج «مدبولي» في قلب ميدان «طلعت حرب باشا».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s