دُولارٌ واحدٌ سنويَّاً!!

أعلن رُؤساء كُبرى الشركات الأمريكية لصناعة السيَّارات : «جنرال مُوتورز»، «فُورد»، «كرايسلر»، أمام مجلس الكُونجرس الأمريكي، قُبولهم العمل مُقابل دُولارٍ واحدٍ في العام إذا تمَّت المُوافقة على إنقاذ صناعة السيَّارات بمُساعداتٍ اتِّحادية، «من أموال دافعي الضرائب»، هذه الصناعة، التي كانت دُرَّة تاج الصناعات الأمريكية ومفخرة الإبداع والحداثة والسبق العالمي الذي لا يُنافس، أضحت اليوم مثل ذلك الصَّنَم المهجور الذي تَبُوْل الثعالب على رأسه زرايةً وقلَّة قيمةٍ واستهزاءً :

«أربٌ يَبُوْل الثعلبان برأسه؟

لقد ذَلَّ مَنْ بالت عليه الثعالب»

لقد حَذَت صناعة السيَّارات حذو «وول ستريت»، الذي انكشفت عورته بعد أن سقط في بالوعة الدُّيون المعدومة والمُشتقَّات المالية الوهمية والمُضاربات على الورق، مُموِّهةً بتقاريرَ مُفبركةٍ من مُؤسَّسات التصنيف والتقويم، التي اتَّضح أنَّها كانت تعمل مثل ضاربي الودع والمُنجِّمين، وأنَّ أسماءها الكبيرة ومصاريفها الوفيرة كانت لزوم شُغل «الثلاث ورقات»، التي يلعبها النصَّابون في شوارع المُدن الكُبرى ليس إلاَّ.

ويا سُبحان اللَّه، كم من الأُمور البرَّاقة الخدَّاعة تنطلي على عباد اللَّه المساكين، الذين ينقادون كَالخِرَاف التي ترمي بنفسها إلى النهر وراء الكبش القائد، ثُمَّ لا تلبث أن تُواجه سكرات الموت غرقاً، وحين يفوت الفوت وما يفيد الصوت، يُقال للمساكين : «القانون لا يحمي المُغفَّلين»، ثُمَّ تُرى في وجوههم الوثائق التي وقَّعوها في نشوة الطمع، أمَّا الشركات، فإنَّ لها رَبَّاً يحميها وبأموال المساكين أنفسهم، لأنَّ الحُكومات الرأسمالية تكون بين خيارين أحلاهما مُرّ : إمَّا الدفع بالتي هي أحسن، ولا بأس من تمريره تحت غطاءٍ من دُموع التماسيح، كما فعل صانعو السيَّارات، وإمَّا انهيار الاقتصاد بإعلان الإفلاسات وتجفيف فُرص العمل ومُصادرة البُنوك لمنازل السُّكَّان ووقف بطاقات الائتمان التي يعيش منها وعليها مُعظم السُّكَّان بالدُّيون الآجلة والفوائد العالية، وهذه كارثةٌ بكُلِّ المقاييس.

ولكي نعرف معنى الإسراف والخُيلاء وتبديد الأموال بلا طائل، نُشيرُ إلى أنَّ مُدراء الشركات العُظمى الثلاث كانوا قد حضروا الشهر الماضي جلسات استماعٍ للكُونجرس بعد أن جاء كُلٌّ منهم بطائرته الخاصَّة وبلا خُطط، وإنَّما كلامٌ يتولَّد من كلام، ولذلك ردَّهم الكُونجرس على أعقابهم، ليعرفوا أنَّ اللَّه حقّ، وأنَّ الدُّنيا ليست «سَدَاح مَدَاح»، وقد قرَّعتهم وسائل الإعلام وجعلت منهم مسخرة، لأنَّ الذي يستجدي المُساعدة والعون لا ينبغي له أن يأتي على متن طائرةٍ نافشاً ريشه كالدِّيك الذي يعتلي المزبلة، مُتصوِّراً أنَّه يعتلي العرش، لذلك فقد جاءوا هذه المرَّة على متون السيَّارات، قاطعين مسافة (588) كيلو متراً من ديترويت إلى واشنطن، وبمُحرِّكاتٍ مُزدوجةٍ «تعمل بالكهرباء والبنزين»، كما جاءوا مُستعدِّين بخُططٍ وتصوُّراتٍ ورُؤىً مع قليلٍ من الكلام يفي بالغرض، أمَّا قصَّة الدُّولار الواحد في العام بما يقلّ مائة مرَّةٍ عن دخل أيِّ شحَّاتٍ مُعدمٍ في بُلدان جنوب الصحراء الكُبرى التي تُعاني من المجاعات، فهُو ليس إلاَّ حركةً مسرحيةً ساذجة، لأنَّ خزائن المُدراء تموج بالملايين التي لا تفنى إلاَّ إذا شاب الغُراب وَفَنِيَ التُّراب.

والقصَّة وما فيها أنَّ الأنظار بعد انهيار «وول ستريت» تركَّزت على ما كان يجنيه المُدراء عَدَّاً ونقداً تحت مُسمَّياتٍ لها أوَّل وليس لها آخر، بعد أن يُقدِّموا للمُساهمين أرباحاً وهميةً على الورق، يُنسِّقونها في جداول لأربعة أرباع العام، ثُمَّ يُذيعونها على الملأ، لتطمئنَّ قُلوب الناس، ومثلهم في ذلك مثل صديقٍ لي كان يُحدِّثني عن ابن عمِّه الكذَّاب، فيقول : «واللَّه يا ابن النقيب، إنَّ كذبهُ أحلى من الشَّهْد، لدرجةٍ أتمنَّى معها أن لا يقول الصدق».

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s