أطلقوا سراحنا أيها السادة..

كان أحد الشباب الريفيين فتيا قويا محبا للرقص يذهب وراء الطبل والشُّبّابة من قرية إلى قرية و«شوطي أو موتي» ياساتر يالطيف، ولكم نصحته العجوز أن ينتبه للوادي والطين وحصتهم من «الأعبار» أيام الأمطار وبالحراثة ورعاية الزرع والاعتناء بالثور «نُجيم» الذي تعب من الراحة، ولكن الشاب المفتون أعطى أمه أذنا من طين وأخرى من عجين.

ووينك ياطبل ووينك ياشُبابة يسري مثل الذيب في ظلام الليل من فرح إلى فرح، وترك أمه تعاني ما تعانيه من رعاية البيت والوادي والمواشي، ولا يعود إليها إلا ليأكل حتى تعبت المسكينة من القهر وكثرة الأعباء ومرضت دون أن يحس بها، ثم توفيت وهو كالعادة يرقص في أحد الأعراس منتشيا لا يعي شيئا، وقد أرسل إليه أهل القرية من يبلغه الخبر ليعود للقيام بالواجب ولم يجد الرجل فرصة للاختلاء به، فدخل إلى حلبة الرقص وهمس في أذنه «أمك ماتت يافلان» فاختلط عليه الأمر وواصل الرقص وهو يردد: أمي ماتت، ماتت أمي، مواصلا الرقص، حتى انتبه أصحاب الحفل فأوقفوا الطبل والشبابة وأخذوه جانبا لإفهامه بما حل بأمه وبالأيام السوداء التي تنتظره فسقط مغشيا عليه، وبعدها حرم الرقص وسهر الليالي وأصبح «نجيم» صديقه المفضل يخرجان مع غبش الفجر إلى الوادي ولا يعودان إلا مع أول ظلام الليل.

 

وأخشى ما أخشاه أن تحل بنا اللعنة فتموت أمنا اليمن بين أيدينا ونحن في طبل وزمر، المعارضة تقول في الحكومة والحزب الحاكم ما لم يقله مالك في الخمر، والحزب الحاكم يشحذ سكاكينه و«يا أرض اتهدي ما عليك قدي» والناس ضائعة بين «حانه ومانه» لايعرفون الحق من الباطل، فكيف يميزون الباطل من الباطل، فكما قال الإمام علي كرم الله وجهه: العاقل ليس من يميّز الخير من الشر فهذا بيّن، ولكن من يميز الشر من الشر فهذا ملتبس، ذلك أن الشر درجات، ومن يخلط بين الأولويات في العمل الوطني لا يحسن صنعا، لأن مثله مثل ذلك الذي يضع العربة أمام الحصان ثم يضربه ليسحبها وهذا محال، وإلا كنا كذلك الذي طلبت منه زوجته عسلا في منتصف الليل لأنها واحم فناشدها الله أن تنام والصباح رباح فما من أحد في القرية يبيع أو يفتح باب داره في مثل هذا الوقت، ولكن الحمقاء رأسها والصُخَره إلا وإلا، فخرج المسكين الضعيف الشخصية أمام هذه المتنمرة لايدري إلى أين يذهب وإنما يهيم على وجهه من درب إلى آخر وشاء حظه التعيس أن يعثر بميت مطعون في قلبه بخنجر فقال لاحول الله، من قتل هذا المسكين؟ ثم خطر بباله وعقله الذي على قد حاله أن يقيس عمق الطعنة فأخرج دليل الجريمة الخنجر ووضع خنجره مكانه وصادف أن مر العسس «دورية الحراسة» فضبطوا المأفون بالجرم المشهود، فأخذوه معهم مخفورا وأوصلوا الخبر إلى القاضي الذي كان يغط في نوم العافية عقب وجبة ضافية فقال لهم وهو بين النوم واليقظة خذوه إلى ساحة الإعدام، والصباح رباح، أخذوا المسكين وربطوه إلى شجرة في الساحة وقرعوا الطبول مع أول أشعة الفجر فحضر أهل القرية جميعا وبينهم زوجته الحمقاء التي غرقت في النوم بعد خروجه للبحث عن العسل ولم تصحُ إلا على قرع الطبول، وقد رأت زوجها على منصة الإعدام فلم تُعر الموقف اهتماما فعقلها في العسل وكانت تضع إصبعيها في فمها كمن يلعق عسلا وهي تشير إليه متسائلة فغرق المحكوم بالإعدام في الضحك، فتعجب القاضي والحاضرون وقال له القاضي ما الذي يضحكك يامجنون وأنت تواجه الموت، قال له: أيش دخلك أنا حر يا أخي، قم بواجبك وخلي الدرك ينفذون الحكم، تعجب القاضي فأمر بحل وثاقه والإتيان به إلى جانبه، وسأله برقة عما أضحكه، قال: ياسيدي، قايست الأمر فوجدت أن عقلي وعقلك وعقل مرتي وعقل (…) سواء فأنا تدخلت فيما لايعنيني وأنت لم تحقق في الأمر وزوجتي تشوفني أمام حبل المشنقة وعقلها وانشغالها في العسل وهذاك (…) لما شافها حمحم كالزّمار يموت وأصابعه تلعب.

 

انفجر القاضي بالضحك وأمر بإطلاق سراحه، ونحن أيها السادة بحاجة إلى إطلاق سراحنا وعسلكم لكم والله يفتح عليكم جميعا حزب حاكم وأحزاب معارضة.

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s