أحجار البئر…

لا يزال العرب في حال الصدمة التي سبَّبتها الأزمة المالية العالمية التي تكبُر مثل كُرَة الثلج المُتدحرجة وبصُورةٍ يومية، حيثُ تحمل الأخبار السيِّئة انهياراً مُؤسَّسياً أو سلعياً أو نضوب فُرص العمل في بلدٍ ما يبدو في أقصى الأرض، لكنَّ غُباره وسخامه وتلويثه يتجلَّى في قلب ديارنا وأسواقنا ومُعاملاتنا، نظراً لتشابك وتداخل واعتمادية اقتصادات العالم على بعضها البعض بصُورةٍ لا فكاك منها، أو حسب الشاعر الجاهلي : «فسلِّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ».

وطبعاً ما عاد بإمكان أيِّ بلدٍ أن يستخلص اقتصاده ويُنقِّيه من الشوائب القادمة مع موجات الهواء ومافياوات سرقة الثروات بالتي هي أحسن، إن أمكن، وإلاَّ فبإعمال الحيلة وإثارة الاضطرابات وتنهيم الطلب على الأسلحة والسلع الاستراتيجية لفتح الأبواب أمام المُغامرين والمُقامرين، الذين يُفصِّلون قُمصاناً من الهواء للمُغفَّلين ويسرقون الكُحل من العُيون ولا يتركون البلد المُبتلى إلاَّ جلداً على عظم، لأنَّهم يعتمدون سياسة الأرض المحروقة، بشراً وحجراً، غير مُبالين بالضُّعفاء، وإلى أن ينبت العُشب من جديد، يكون حمار الاقتصاد قد مات.

ولا شكَّ أنَّ بعض العُقول الراجحة من القيادات المسؤولة في العالم الثالث، قد تستطيع تجنُّب الأسوأ، حتَّى ولو انحنت للعاصفة مُؤقَّتاً، وهذا يقتضي اتِّخاذ قراراتٍ صعبة، وأحياناً ليست لها شعبية، لكنَّها تُؤتي ثمارها في المُستقبل، و«عند الصباح يحمد القوم السُّّرى»، أمَّا تسييس كُلّ شيء، كما في بعض البُلدان المُبتلاة بأحزاب «الظاهرة الصوتية»، فإنَّ العقلانية تختفي خلف المُزايدات، والمصالح العُليا تتهاوى تحت مطارق الأنانية، واستخلاص ما يُمكن استخلاصه إلى الجيوب المثقوبة، وتهييج الرأي العام ضدَّ أيِّ عملٍ مسؤولٍ أو إجراءٍ فيه بُعد نظرٍ وفق قوانين الاقتصاد التي يعرفها كثيرون، لكنَّهم لا يعملون بها، لأنَّهم من جماعة «عيّشني اليوم وموّتني بُكره».

وإذا كان هذا قد يُقبل من فردٍ سفيه، فإنَّه لا يُقبل ولا يُعقل من دولةٍ مسؤولةٍ تحمل أمانة الناس وتأمين معاشهم ومُستقبلهم والتفكير ليل نهار في خلق الأعمال وفُرص التوظيف وتشجيع الإنتاج الزراعي والسمكي والصناعي والوقوف إلى جانب القطاع الخاصّ ليكون أحد المُحرِّكات الكُبرى للاقتصاد الوطني، بحُكم التناغم بين مصالحه الذاتية وعوائده على رأس ماله وبين العمل الذي يُحقِّق كُلّ ذلك.

وهذا الحافز قد لا يتوفَّر للقطاع العامّ، الذي قد يعتقد القائمون عليه – بسبب تشوُّه الثقافة أو تفشِّي الفساد – أنَّهم يُثمِّرون لغيرهم، ولذلك قد يسيرون عكس قوانين الاقتصاد، فتكثُر مصاريفهم وتقلّ مداخيلهم، ومن عامٍ إلى آخر تختلّ المُعادلة حتَّى تنضب الموارد، فيرون الأحجار في قاع البئر بدلاً من الماء الزُّلال، وهُنا يبدأ التبرير والتغرير والبحث عن كباش فداءٍ قد تكون عجفاء، وتبدأ دُموع التماسيح، فيسعفهم المُسعفون المُمالئون المُنافقون بالمناديل لتجفيف دُموعهم والبحث لهم عن عملٍ جديدٍ يبدأون به المسرحية الجديدة، «وكأنَّنا يا بدر لا رُحنا ولا جينا».

ما علينا، فالمرء لا يجني مع الشوك العنب، والعرب اليوم يتحدَّثون كثيراً ويتحرَّكون قليلاً ويفعلون لا شيء، ولو أخذوا بحكمة السيِّد «المسيح» – عليه السلام – الذي خاطب «مارتا» بالقول : «مارتا … مارتا … إنَّكِ تتكلَّمين عن أشياءٍ كثيرة، والمطلوب واحد»، لكان ذلك أجدى وَأَلْيَق بهم وبتاريخهم وكونهم يعيشون في القرن الـ (21)، حيثُ التكتُّلات الإقليمية الاقتصادية الكُبرى.

لقد بُحَّت أصوات المُخلصين والاختصاصيين ممَّن يرون مثل زرقاء اليمامة، لكنَّهم لا يستطيعون ليَّ عمامة، وقديماً قال الإمام «علي» – كرَّم اللَّه وجهه – حين سُئل عن أمرٍ : «لا رأي لِمَنْ لا طاعة له».

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s