منطق البطة العرجاء

قال الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته في يناير القادم أنه سيغادر السلطة رافع الرأس، وطبعاً هو حر في رأسه “بكيفه يرفعه ولا يوطيه” ولكن قد يكون للتاريخ رأي آخر.. إذا كانت الأمور تقاس بالقرارات الصائبة والقرارات الكارثية وبالعوائد فليس الذي يخربها مثل الذي يعمّرها، ولا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور أما إنحاءه باللائمة على الاستخبارات الأمريكية في تقييم الوضع في العراق قبل الغزو وخاصة فيما يتعلق بادعاء حيازة صدام حسين لأسلحة دمار شامل اتضح فيما بعد أنها لا وجود لها، فإن هذا لا يعفي الرئيس من المسؤولية لأن هناك من جاهر وحلل في غير اتجاه وقصة “يولانيوم النيجر” مشهورة ومعروفة وخاض فيها الإعلام والرأي العام ووصلت إلى الفضاء، وقد عرف القاصي والداني أن ديك تشيني وشلته هم وراء العديد من التلفيقات وتضليل الرئيس، ولكن ومرة أخرى فإن كل هذا لا يعفي الرئيس من مسؤولياته وإلا فلماذا هو رئيس؟ أليس لأنه صاحب القرار النهائي بعد أن يوازن الخيارات ويتفحص المصادر ويخلو إلى نفسه مفكراً ومقدراً لا أن يكون مجرد أُذن ينفذ إليه الأجهر صوتاً أو الأقرب إلى قلبه وعقله، أو يتخذ من الإيديولوجيا بديلاً عن معرفة ما يجري على الأرض وما يضر وينفع ومن ذلك القول أنه مأمور من الله بعمل كذا وكذا وأن المولى دون كتاب مبين قد فوض إلى أمريكا دوراً إنسانياً ورسالياً لم ينهض به رئيس من قبله فقرر بحماس أن يكون هو منفذ الرسالة، وكما قيل فإن “حبك الشيء يعمي ويصم” وهذا ما أدركه عتاة وعلاة المحافظين الذين وسوسوا للرئيس كإبليس بما يشبع أوهامه، وحين غرقوا وأغرقوه معهم في مستنقعي أفغانستان والعراق تقافزوا كجرذان السفينة الغارقة وتركوه مبلسا من الصدمة مفلساً من المجد، أما الآن وقد أصبح بطة عرجاء ينتظر الإحالة على التقاعد فسيان ما يقول وما يشعر، فقد أصبح كل شيء في ذمة التاريخ “والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون” صدق الله العظيم.

ولا شك أن موازين الرئيس بوش ثقيلة في اجتراح الأخطاء والتصميم على عدم العودة إلى الحق، حتى بعد أن تتكشف الأمور وتفوح الروائح ومن ذلك قصة معسكر جوانتانامو السيء السمعة والمعفي من أي ولاية قضائية، وسجن أبو غريب الذي صدم العالم وأثار الرعب رغم أن ما تسرب عنه لا يمثل سوى النزر اليسير مما جرى فعلاً من امتهان لكرامة العراقيين رجالاً ونساء، ومن ذلك سماح الجيش الأمريكي دون أي مبرر أخلاقي أو عسكري بنهب تراث العراق الحضاري وهو تراث يخص الإنسانية جمعاء، وكم با يعدد العداد، وكم باتحسب الحواسيب، ومع ذلك يقول لك الرجل الذي لا يعترف بالخطأ: سأخرج رافع الرأس بعد أن أغرق بلاده بالديون التريليونية وأوقعها في هوة الركود وأخذت الوظائف تتلاشى شأنها شأن الأموال، ويشكر للرئيس في مرحلة “البطة العرجاء” أسفه لمن فقدوا بيوتهم ومدخراتهم وأعمالهم بسبب السياسات الحمقاء والرؤوس المرفوعة كالسنابل الفارغة، ذلك أن السنابل الممتلئة تحني رؤوسها تواضعاً وشكراً لله.. وللناس فيما يعشقون مذاهب.

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s