حُمَّى آسيوية…

قارَّة آسيا كُبرى قارَّات العالم، (44.250.000) كيلو مترٍ مُربَّع، وأكثرها سُكَّاناً، (3.3) مليار نسمة، تحترق أجزاءٌ كبيرةٌ منها هذه الأيَّام على صفيحٍ ساخنٍ يستعصي على التبريد، لكأنَّما يجري إطفاء النار بالبنزين، وكُرات اللَّهب تنتقل من مكانٍ إلى آخر بقُوَّة التداعي والاستلهام ومُحاولات الشُّعوب استنقاذ أنفسها من وحش العولمة والتخلُّص من الملابس القديمة التي ضاقت عليها وأصبحت تُعيق حركتها وتسدّ طُرقها إلى المُستقبل، ولنفض غُبار الزمن الذي تراكم على حُكَّامٍ وحُكوماتٍ وطبقاتٍ اجتماعيةٍ لا تُريد أن تتزحزح ولا تقبل بآليات تبادل السُّلطة وضخّ دماءٍ جديدةٍ في الشرايين القديمة إلاَّ تحت وطأة ضُغوطٍ عاليةٍ تصل إلى حدِّ الصهر.

وعقب حرائق فلسطين والعراق وإيران وباكستان وأفغانستان وفيتنام ولاوس وكمبوديا والهند، وصل السكِّين إلى رقبة تايلاند، التي كان يأتيها رزقها رغداً، حيثُ أنَّها مهوى قُلوب السُّيَّاح حول العالم، لِمَا يتمتَّع به شعبها من رقَّةٍ ورُوح ضيافة، وَلِمَا حباها اللَّه تعالى من جمال الطبيعة الساحرة، لكن – كما يقول المَثَل اليمني – «لا حول لا حول مِنْ ذا الحال، مَحَد يخلِّي لحَد حاله».

الدجاجة التي كانت تبيض ذهباً، «السياحة»، أقفرت بعد أن استولت المُعارضة على مطارات العاصمة «بانكوك» وتقاطرت الطائرات من مُختلف دُول العالم إلى مطاراتٍ نائيةٍ لإغاثة العالقين وإعادتهم إلى بُلدانهم، وبذلك «جَنَتْ على نفسها براقش»، فقد خسر الاقتصاد التايلاندي وأُصيب في مقتل، لأنَّ السياحة تُوفِّر عشرات آلاف الوظائف، لكن، أين هي العُقول الراجحة، سواءً في السُّلطة أو المُعارضة؟ وكم من البُلدان التي تتوفَّر على ثرواتٍ مُذهلة، حضاريةٍ ومعماريةٍ وطبيعية، يغتالها أهلها برُعونة الساسة وانسداد آفاق الحوار وغياب آليات حياةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ وموثوقة.

وأتذكَّرُ أنَّ أحد الرُّؤساء الأُوروبِّيِّين – أظنُّه مُستشار ألمانيا – حين زار اليمن وبُهر بالحضارة الحيَّة المُجسَّدة، طلب التمديد للزيارة ليستأنس بالإبداع الإنساني والجمال الطبيعي الوحشي، وحين ذُكر له أنَّ اليمن تبذل جُهوداً حثيثةً للتنقيب عن البترول، لأنَّه هُو الذي سوف ينقذ اقتصادها الفقير، قال : «وأين أنتم من هذه الثروات الحضارية والطبيعية؟ ولماذا لا تستغلُّونها، وستكونون بين أكبر بُلدان العالم جاذبيةً للسياحة؟»، ولكن «مَنْ يفهِّم الدُّجِّي» من الذين ينظرون إلى هذه الصناعة على أنَّها رِجسٌ من عمل الشيطان، وَلْيَمُت الناس من الجُوع، وأُولئك الذين يُطالبون بإبرة، فيخطفون طائرة بُوينج من المُتربِّصين للسُّيَّاح والمُعطِّلين للمشاريع الحيوية الكُبرى، ومن الأمثلة قنوات سدّ مارب المُنتظرة من رُبع قرن، وهي الجُزء الحيوي من المشروع، وقد دُفع ثمنها عدَّة مرَّاتٍ بسبب الرُّعونة، فكُلَّما جاءت شركةٌ عالميةٌ للعمل، خرجت المطالب ومعها عدَّة رصاصات، وما من شركةٍ يُمكنها العمل وهي مُهدَّدة، فيرفعون مُعدَّاتهم ويعودون أدراجهم، مُطالبين بالتعويضات.

ما علينا، فقد تقرَّحت أفئدتنا من هذه الأعمال المُزرية التي تتقنَّع بألف قناعٍ وقناع :

«متى يبلغ البُنيان يوماً تمامهُ

إذا كُنتَ تبنيه وغيركَ يهدم»

وفي كُلِّ الأحوال، وكما يقول المَثَل الشعبي، فإنَّ «الحَجَر من الأرض والدم من رأسك».

وما علينا، مرَّةً أُخرى، وَلْنَعُدْ إلى تايلاند، آخر المُصابين بالحُمَّى الآسيوية القاتلة، وقد زُرتُ هذا البلد العتيد العريق مرَّتين، فلا أجمل ولا أبدع، ومساحتها تُقارب مساحة اليمن، (514.000) كيلو مترٍ مُربَّع، لكنَّها تضمُّ من السُّكَّان (60) مليوناً، يدبُّون على الأرض كالنمل بحثاً عن لُقمة العيش وهُم في خدمة الضُّيوف ليلاً ونهاراً ما دام الضيف يحترم نفسه ولا يجرح عاداتهم ومُعتقداتهم، لأنَّ هُناك من القصص ما يشيب لها الولدان من التجاوزات، خاصَّةً من بعض العرب الذين لم يستوعبوا بعدُ أدب الاختلاف وما سَنَّهُ أجدادهم من أنَّه «يا غريب كُن أديب».

وقد أصدرت المحكمة الدُّستورية التايلاندية قراراً بمنع رئيس الوزراء الذي تدور حوله المُشكلة، التي تسبَّبت في التأزيم الأخير، خمس سنواتٍ من العمل السياسي، بتُهمة تزوير الانتخابات، وبذلك نزعت الفتيل، وهذا من الحكمة التي هي ضالَّة المُؤمن، وعسى بعد العُسر يُسرا.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s