وَمَنْ يجعل الضرغام…

إذا أَقْبَلَت الدُّنيا قِيْدَتْ بِشَعْرَة، وإذا أدبرت استعصى قيادها على سلاسل الحديد، فمزَّقتها إرْباً إرْباً، وهذا هُو حال الحياة : الناس والأسواق والزراعات والتجارة، لا شيء يبقى على حاله، وما وصل إلى القمَّة أخذ في الانحدار إلى السُّفوح فإلى الوديان والقيعان، وعلى المرء أن يُوطِّن نفسه على الرخاء وشظف العيش، فيتَّخذ من كُلٍّ منهما وسيلةً لفهم الوجه الآخر : «مرّة درّة ومرّة ميزان».

العالم يعيش الآن فترة انكماشٍ مُؤلمةٍ أعقبت فترة انفلاشٍ مُزمنة، فكبُرت الفُقاعات وحلَّقت عالياً تستثير نوازع الطمع في نُفوس المُتطلِّعين إلى الثروة والكسب السهل، ثُمَّ أخذت هذه الفُقاعات تنفجر الواحدة تلو الأُخرى، لتترك الحالمين مُبْلسين يكادون من الجزع تذهب نُفوسهم حسرات.

البُنوك التي كانت تهدر الأموال وتٍُضارب في الأسواق وتُغري بُسطاء الناس وكبارهم بالاستدانة، مُكدِّسةً أرباح الربا، تُعاني اليوم من سرطان المُرابين، فقد تآكلت أُصولها وتناصلت فُصولها وعجز مَدِيْنُوْهَا عن السداد، ممَّا ألجأها إلى تسوُّل الحُكومات والبُنوك المركزية ومُدَّخرات دافعي الضرائب، الذين وجدوا أنفسهم في فم المنشار يقضمهم في نُزوله وطُلوعه، وإذا اشتكوا قيل لهم : «تصبَّروا، لأنَّ البديل أَمَرّ»، «وأيش الذي جابك على المُرّ، قال الذي أمرّ منه».

إعلانات العقارات البرَّاقة والتسهيلات التي كانت «على قفا مَنْ يشيل»، تلاشت، وأخذ سُوق العقارات، الذي هجم على المنطقة بوحشية الجراد الصحراوي، يتصحَّر، فقد جفَّت موارده من السيولة، وأحجم الجُمهور عن الشراء، كما عجز عن البيع، وكُلُّ لحيةٍ مشدودةٌ إلى أُختها : «الأوَّل للذيب، والتالي لأُمّه»، وها هي الأبراج الفخيمة العظيمة خاويةٌ على عُروشها، ذلك أنَّ سُوق العقار قد شهد «لُعبة الورقات الثلاث»، التي تعرفونها، فلا الأحمر كسب، ولا الأخضر أورق، ولا الأصفر النحاسي تحوَّل إلى ذهب، ذلك أنَّ القِيَم والعوائد الصلبة لا يُمكن أن تأتي من الهواء، كما هُو الحال في مُراهنات أسواق الأسهُم التي كانت شامخةً تخالها الجبال ثُمَّ انهارت كَالْعِهْن المنفوش، وأصبح السهم المُشترى بخمسين درهماً بالكاد يقف على درهمين، وقد اختفى المُدراء الكبار الذين كانوا يدَّعون أنَّهم يصنعون الملايين برمشةٍ من عُيونهم، ووراءهم تسحَّب في الظلام كبار المُحلِّلين، ممَّن كانوا يدَّعون أنَّهم أُوتوا من علم الاقتصاد ما لم يُؤت «يُوسف بن يعقوب».

السُّوق العالمية تخسر اليوم ملايين الوظائف التي كانت تُعشِّش وتعيش على أوهام اقتصاديات المُضاربة، وقد وصل السكِّين إلى رقبة برميل البترول الذي كان يسير مُتبختراً كـ «ديك» المزرعة حين قارب الـ (051) دُولاراً، واليوم يتقهقر ومعه أشياءٌ كثيرة، فيما مُدَّخراته تقضمها جرذان الأسواق المالية التي قصدها المايستروات العظام من دهاقنة الصيارفة الكبار، فكانوا كمثل المُصعِّر خدّه يُريد اصطياد ما في فم الأسد :

«وَمَنْ يجعل الضرغام للصيد بازه

تصيَّده الضرغام فيما تصيَّدا»

إنَّ الأزمة تُعلِّم الناس الاقتصاد في النفقات والجدّ والاجتهاد في الإنتاج والبراعة في الابتكار وأخذ الموازين الطبيعية بعين الاعتبار، لأنَّ الحال السايب والرزق الحرام كان على حساب قِيَمٍ مُقدَّسة، وكان الإسراف في الاستهلاك وبذخ المراءاة وارتفاع تكاليف التشغيل بسبب الفساد والمُفسدين في الأرض، وراء تكالب السُّوس على الأُصول، والناس والحُكومات إذا لم يتعلَّموا من الخراب، فإنَّ البناء لن يُعلِّمهم شيئاً.

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s