مهزلةٌ كرويَّة

ليس أدلّ على هوان العقل وسُقوط المنطق وانكشاف الثقافة والمُثقَّفين والنُّخب التي تُوجِّه الناس، من الجدل العقيم والحملات المُتبادلة بين بلدين عربيين كبيرين كمصر والجزائر على خلفية مُباراةٍ في كُرَة الْقَدَم كان يُمكن أن تمرَّ نتيجتها مُرور الكرام بما تقتضيه الرُّوح الرياضية الصَّرفة، بغضِّ النظر عن العلاقات الأخوية والكفاحية والتاريخية التي لم يَعُدْ العرب يُولونها أيَّة عنايةٍ أو رعايةٍ أو اهتمام، وأصبح همّ السُّلطات شحن الناس بالبغضاء والعداء والاتِّجار بمشاعر البُسطاء لإثبات وطنيةٍ بديلةٍ للوطنية الحقَّة التي كافحت أجيالٌ لإرسائها وإشاعة آفاقها القومية وضروراتها المُستقبلية.

وقد تفرَّغتْ وسائل الإعلام لإذكاء نيران الخلافات وصبّ البنزين على الأوار، وتولَّى الإعلاميون قيادة الْفِرَق المُقاتلة وتجنيد المُحاربين القُدامى والجُدد لتحقيق الانتصارات الوهمية، كما انشغلت أجهزة الأمن بذيول المعركة ومُخلَّفاتها، فأخذت البيانات تَتْرى، ووزارتا الخارجية في البلدين تستدعيان السُّفراء، ولا أدري واللَّه ماذا بإمكان أيّ سفيرٍ أن يفعل في مثل هذا الموقف السُّوريالي، يعتذر ممَّن وعمَّن؟ ويبني ماذا ويُرمِّم ماذا؟

حين يتفاعل الجُنون يصحّ قول أبي العتاهية : «لِدُوا للموت وابنوا للخراب»، ويبدو أنَّ الوطن العربي بكامله على حافَّة بُحيرةٍ من الجُنون، و«مَنْ لم يَمُتْ بالسيف مات بغيره/تعدَّدت الأسباب والموت واحد»، ذلك أنَّ القضايا الكُبرى لم يَعُدْ لها وجود، مع أنَّها في الواقع الملموس أقرب من حبل الوريد، ولكن ليس لها وجود في العُقول والضمائر والعزائم.

حين اشتعلت الثورة الجزائرية جعل منها عبدالناصر العظيم قضيَّة مصر وقضيَّة الأُمَّة، وكان أن أخذت التضحيات تتدفَّق والعالم العربي كُلّه على قلب رَجُلٍ واحد، حتَّى انتصرت ثورة المليون شهيد مُبشِّرةً بمُستقبلٍ لا أجمل وبعالمٍ لا أعدل وبإنسانٍ عربيٍّ لا أزهى ولا أبهى، ولكن ما كُلّ ما يتمنَّى المرء يدركه، فقد جاءت الرياح بما لا تشتهي السُّفن.

وحين حلَّت النكبة في حزيران – يُونيو 1976م، كان هواري بُومدين الأعلى صوتاً بين الزُّعماء العرب في مُناصرة مصر الناصرية، وقد آزر عبدالناصر في تلك المحنة القاسية وذهب إلى مُوسكو غاضباً ومُقاتلاً مدعوماً بأُمَّةٍ مُوحَّدة الإرادة، وإن كانت في لحظة انكسار، وقد استجاب القادة التاريخيون للسُّوفيت، فأعادوا تسليح مصر وتدريب جيشها بما حقَّق العبور العظيم في حرب 1973م، وكانت كلمات هواري بُومدين لا تزال تتردَّد : لقد خسرنا معركة، ولكنَّنا لم نخسر الحرب.

لم يكُن في تلك الأيَّام من معركةٍ جانبيةٍ حول كُرَة قَدَم أو ما أشبه، ولو حدث وكانت فلن تأخذ أكثر ممَّا تستحقّه من عُقول الناس واهتماماتهم، ولكنَّنا الآن وقد بلغنا سنّ الرُّشد عُدنا إلى الطُّفولة، أو – بالأصحّ – إلى أرذل العُمر، حيثُ لا يعلم الإنسان من بعد علمٍ شيئاً، ولذلك نتقاتل على الفُتات وعلى التوافه :

«وَمَنْ لم يُجرِّب صُعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحُفر»

مصر العظيمة حارت في غزَّة، والجزائر المُجاهدة تاهت في الصحراء الغربية، والعراق، البوَّابة الشرقية للأُمَّة، يبحث عن هويَّة، وسُوريا تُداوي جراحها في لُبنان، أمَّا فلسطين، فحدِّث ولا حرج، صاغتها الآلام وفكَّكتها أحلام الزعامات، ويبدو أنَّنا جميعاً على صُورة زُعمائنا وسياساتنا، مثل زُجاجٍ مُحطَّمٍ في مرآةٍ لا وظيفة لها.

إِذَاً، لم تَبْقَ سوى ساحة الكُرَة لنتعلَّم فيها الحرب والضرب ومُواصلة ذوي القُربى بالعداء والتشفِّي :

«وظُلم ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً

على النفس من وقع الحُسام المُهنَّد»

ننتظر من الكبار في البلدين موقفاً رائداً يتعالى على العواطف الفوَّارة، لتقف المهزلة التي انتظرناها من الأعداء، فجاءتنا من الأشقَّاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s