أصداءٌ لفوز «أُوباما»…

لا تخلو الحياة من المُفارقات، بعضها يُغضب، وبعضها يُسلِّي، وبعضها يمرّ مُرور الكرام، «وينهم الكرام في زماننا؟»، وفي لحظةٍ ما تتساوى الصداقات والعداوات، كما قال شاعرنا الكبير الراحل «عبداللَّه البردُّوني» :

«والصداقات كالعداوات تُؤذي

فسواءٌ مَنْ تصطفي أو تُعادي»

هذه واحدة، والثانية عادها لمَّا تكون، كما يقول المُغنِّي.

قُلتُ لنفسي اليوم : عرِّج يا «ابن النقيب» على بعض أصداء فوز «باراك أُوباما»، الذي ملأ الدُّنيا وشغل الناس، على أن لا تُثقل على القُرَّاء بالأُمور الثقيلة، وإنَّما الخفايف التي تُشبه ما خفَّ حمله وغلا ثمنه.

لنبدأ من كينيا، حيثُ جُذور «أُوباما بن حُسين»، فقد تقرَّر تعيين جدَّته «سارة أُوباما» سفيرةً للمعهد الدُّولي الحُكومي العامل ضدَّ سُوء التغذية، وذلك في مدينة كيسومو الكينية، التي تقع على شواطئ بُحيرة فيكتوريا وتبعد (07) كيلو متراً عن القرية التي تُقيم فيها العجوز «سارة أُوباما»، وهذه تدبيرةٌ مُوفَّقة، لأنَّ الجدَّة أصبحت نجمةً في بلدها يُشار إليها بالبنان، و«يا بخت مَنْ كان الوزير خاله» – على حدِّ تعبير إخواننا المصريين – ولأنَّها ستجد مصدراً للعيش، لكي لا يُقال تنعَّم الرئيس وهلكت العجوز من الجُوع، يا عيباه.

وعلى ذكر «سارة أُوباما»، هل نسيتم «سارة بالين»، المُرشَّحة المنكوبة لنيابة «جُون ماكين»، والتي نحسته – والعياذ باللَّه – ها هي قد عادت إلى عرشها كحاكمةٍ لـ «ألاسكا» أكبر ولايةٍ أمريكيةٍ مساحةً وأقلّها سُكَّاناً، ومن هُناك سترى رُوسيا عبر المضيق الذي يفصل ألاسكا عن سيبيريا الرُّوسية، حيثُ هداها عقلها إلى إفحام الصحفييين الذين شكَّكوا في خبراتها في السياسة الدُّولية بالقول إنَّها تفهم وتفهم، والدليل أنَّها ترى سيبيريا عبر المضيق، «جت تكحّلها عمتها».

أمَّا الجديد المُضحك، وذلك من عجائب السياسة الأمريكية، فهُو ما كشفه مُساعدون للمُرشَّح الجُمهوري، الذي ضاعت فُرصته إلى الأبد، من أنَّ «الحبُّوبة سارَّة» كانت تعتقد أنَّ أفريقيا بلدٌ وليس قارَّةً، وقد ردَّت بأنَّ ما تفوَّه به هؤلاء هُو عملٌ صُبيانيٌّ وغير مهني، وأنَّهم أغبياء، ونقولُ : «إذا سقط الجَمَل، كثرت السكاكين»، وكُلّه عند اللَّه ما يضيع يا ستّ «سارة»، والباقيات الصالحات.

العمّ «برلسكوني»، رئيس الحُكومة الإيطالية، لا يعرف المَثَل العربي «لسانك حصانك»، مع أنَّه – بالتأكيد – يعرف الحصان، فالرَّجُل من كبار أثرياء إيطاليا وأحصنتها، والأثرياء، في العادة، يُؤمِّن الناس على كلامهم، فيغفلون عن أنَّ لكُلِّ مقامٍ مقالاً، وقد استخفَّ «برلسكوني» دمه، فعلَّق على فوز «أُوباما» بالقول إنَّه «يُمكن أن يُقيم علاقةً جديدةً مع الرئيس المُنتخب، رغم أنَّه صغير السنّ وبارعٌ وأسمر من تأثير الشمس»، وقد اشتمَّ المُراقبون روائح عُنصريةً تغمز وتلمز، ومع ذلك لم يعتذر «برلسكوني»، وكان «أُوباما» أكبر من كُلِّ هذه الصغائر، فتحدَّث إليه دُون أن يُشير إلى شيء، والمُسامح كريم، وتحيَّةٌ للمُواطنين الإيطاليين، الذين أرسلوا وابلاً من الرسائل الإلكترونية إلى «أُوباما» يعتذرون فيها عن تصريحات رئيس وزرائهم المُنافية للكياسة الدُّبلوماسية، يفعلها الكبار ويتحمَّلها الصغار، عكس المثل.

ولأنَّ «شرّ البليَّة ما يُضحك»، فقد اعتبر المُراقبون أنَّ نشر بيونج يانج خبر فوز «أُوباما» بعد يومين من حُدوثه، خبرٌ سعيد، لأنَّ هذه الدولة المُنغلقة على نفسها، رُبَّما لن تُعلن الخبر إلاَّ بعد عشرة أيَّام، كما فعلت مع «جُورج بُوش»، صحُّوا النوم، العالم يُتابع بالثانية وأجزاءٍ من الثانية خبر انفجارٍ هُنا أو هُناك أو خبر رَجُلٍ عضَّ كلباً، على رأي «مُصطفى أمين» في تعريفه للخبر المُثير، عجبي.

أمَّا ثالثة الأثافي، فهي امتناع شركتي مُراهناتٍ استراليتين عن دفع المُراهنات لِمَنِ اختاروا «أُوباما» رئيساً وراهنوا بنُقودهم على ذلك، أمَّا حُجَّة الشركتين، فهي مخاوفهما من أن يُغتال قبل أن يتولَّى الرئاسة، وبذلك تضيع نُقودهم، فال اللَّه ولا فالكم يا بُعداء.

بقي من المُفارقات اعتذار «أُوباما» لـ «نانسي ريجان»، زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق «رُونالد ريجان»، حيثُ لمزها بتحضير الأرواح حين كانت السيِّدة الأُولى في البيت الأبيض، وذلك لترتيب برنامج زوجها، ومع أنَّ الأمر معروفٌ مُنذُ زمنٍ طويل، فإنَّ الإشارة إلى سيِّدةٍ مُسنَّةٍ غارقةٍ في أحزانها بعد وفاة زوجها وانحسار الأضواء عنها، هو عملٌ يفتقر إلى الكياسة، لكنَّ التائب من الذنب كَمَنْ لا ذنب له، فقد اعتذر «أُوباما» على لسان المُتحدِّثة باسمه، ووصف تصريحه بأنَّه أقسم بعدم المُبالاة والاستهانة، ثُمَّ تحدَّث إليها وكانت في مُستوى الكرامة والكبرياء وتسامح الكرام المعروف عنها، و«مَنِ اقتصَّ لكَ من نفسه فقد أنصفك»، وسامحونا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s