السيِّد والجارية…

بدا لي وضع «باراك أُوباما» في أوَّل مُؤتمرٍ صحفيٍّ له، كوضع كبير الورثة الذي كان يظنّ وضع والده الراحل جيِّداً، وأنَّ عدَّة ملايين من الأموال السائلة موجودةٌ في خزائنه، إضافةً إلى الأملاك والعقارات والديون التي يُمكن تحصيلها، فلمَّا استمع من كبير المُشرفين على التصفية عن واقع الدفاتر والأرقام، اكتشف أنَّه لم يَبْقَ هُناك شيءٌ على الإطلاق، وأنَّ الراحل مدينٌ للبُنوك، وأنَّ على الورثة المُتهيِّئين لاستلام حصصهم والحالمين ببحبوحة العيش الرغيد، أن يستعدُّوا لتسديد الديون.

تصوَّروا الوجوم والهُموم والصدمة على وجه كبير العائلة ذاك وهُو يُريد إبلاغهم بذلك، وكان ذلك حال «أُوباما» بعد أن رأى من الداخل إرث الراحل «جُورج بُوش»، فقد تمكَّن من موقع الرئاسة أن يطَّلع على ما كان مخفيَّاً لدى دوائر المال والاقتصاد ولدى أجهزة المُخابرات.

الجميع يُريدون أن يُساعدهم، و«أُوباما» يبحث عمَّن يُساعده، فالأخ الكبير، الذي حكم (8) سنواتٍ واعتمد السرِّيَّة المُطلقة طوال فترة حُكمه، قد أتى على كُلِّ شيءٍ واقترض فوق ما تركه «كلينتون» من فائض حوالي (14) تريليون دُولار، أيْ بما يزيد عن الدخل القومي لأمريكا.

كان «أُوباما» كَمَنْ في فمه ماء، فليس في موقع الرئاسة الفعلي، حيثُ الموعد للْقَسَم 20 يناير 2009م، ليقول كُلّ شيءٍ أو حتَّى أيّ شيء، وهُو – من ناحيةٍ أُخرى – لا يُريد أن يصدم الناس الذين أوصلوه بناءً على برنامجه الرئاسي ووعوده الانتخابية، لا يُريد أن يقول لهم إنَّ ديون أباكم الراحل ستفرض شدَّ الأحزمة على البُطون سبع سنواتٍ عجاف.

لقد راحت السَّكْرَة وجاءت الفكرة، وليس بالكلام وحده يُمكن ضمان منازل المُهدَّدين بعرضها للبيع.

وقد سمعنا حكاية الجارية وسيِّدها : «اطبخي يا جارية»، قالت : «كلِّف يا سيِّدي»، فحتى الدُّولار الواحد يُصرف من جهة، يجب أن يأتي من جهةٍ أُخرى، وهذا ما تجاهله «بُوش»، فقد أخذ يصرف دَيْنَاً حتَّى وصل إلى قاع القاع، وفي النظام الرأسمالي : لا شيء يأتي من لا شيء، وقد أصبح الرئيس الراحل على «حمار أُمّ عمرو»، كالبائع دَيْنَاً، إذا كُنتم تتذكَّرون الصُّورتين الشهيرتين للبائع نقداً وهُو يضحك من أعماقه، والبائع دَيْنَاً وهُو يغرق في أمعائه.

هكذا قدَّرتُ موقف «باراك» المُتجهِّم مصفرّ الوجه على المسرح، علماً بأنَّه لم يطَّلع بعدُ سوى على أُذن الجَمَل، وهذا ما يُراهن عليه الجُمهوريون : أن يغرق في المصائب التي خلَّفوها له، فيُحمِّلونه مسؤولياتها ويبدأون في نهشه بانتظار انتخابات 2012م، يعني «ما فيش يامّه ارحميني».

يستطيع «أُوباما» أن يتكلَّم عن كُلِّ ما رأى وراء الستائر، وأن يقول للأعور في عينه : «أنت أعور»، لكنَّه – من ناحيةٍ أُخرى – لا يُريد أن يُسقط هيبة أمريكا في العالم فوق ما قد تساقط منها، وما تساقط أعتى من صُخور جبل «المُقطَّم»، التي تساقطت على رُؤوس سُكَّان «منشيَّة ناصر» في القاهرة، ومع ذلك، ومن تحرُّكات رُؤساء الدُّول الثاني الكُبرى والهمّ الذي ركبهم، فهم لا يكادون يقرُّون ليلاً أو نهاراً مُنذُ انفجار الفقاعة المالية، ما يكشف أنَّهم يعرفون الكثير ممَّا أُخفي أمره وشاع سرّه، فالإدارة الأمريكية تبدو كالزوج المخدوع : آخر مَنْ يعلم، مع أنَّ الفضيحة بجلاجل وصُنوجٍ وطُبول.

«أُوباما» في مُؤتمره الصحفي الأوَّل كاد يُردِّد قول شاعرنا «أبي فُرات مُحمَّد مهدي الجواهري» :

«أنا عندي مِنَ الأسى جبلٌ

يتمشَّى معي وينتقلُ»

كان اللَّه في عونه.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s