لا تملك إلا أن تحبه..

تنفس العالم الصعداء، لأن إجماع أغلبيته على أوباما لم يكن رهاناً خاسراً..والناس يسرون ويسعدون بطبعهم عندما يرون أحلامهم تتحقق، وإن قلوبهم ومشاعرهم لم تخدعهم، وقد ذهب الجمهوري ماكين الجندي الباسل – حسب تصنيفات الجيوش – إلى منزله ليستريح، وهو فعلاً بحاجة إلى الراحة العميقة بعد عامين من النشاط المجهد بالنسبة لرجل في مثل عمره (72 عاماً)، ويكفي أنه تحمل حماقات نائبته “سارة بالين” التي لا يدري أحد من أي نافذة دخلت عليه، وأكثر من تحمل الحماقات اضطراره إلى الصمت وعدم توجيه أي نقد لها، فالصمت الاضطراري يفعل بالمرء أكثر مما يفعل المرض العضال.

وكان خطاب الاعتراف بالهزيمة الذي ألقاه ماكين رائعاً بكل المقاييس، فلم يتلمس الأعذار ولم يتعمق في المسببات وإنما قال إن الشعب قد اختار وأنه سيقف إلى جانب رئيسه الجديد، ودعا أنصاره إلى الاقتداء به من أجل أمريكا ومستقبلها، وقد رد له أوباما التحية بأحسن منها فأثنى على بسالته وشجاعته ووطنيته، وهكذا فإن النتيجة الآن “لا غالب ولا مغلوب” فالكل فائز بالتراضي والقبول وعدم تهييج الرأي العام.

أما وقد راحت السكرة وجاءت الفكرة فإن أمام الرئيس الجديد عملاً دونه الجبال وزناً، فبرنامجه الانتخابي الآن على المحك، ورجاله يُطبخون على نار هادئة، والأنظار تتجه إليه من الداخل والخارج الأمريكي، حيث سيتجه إليه الأنداد والأضداد والبين بين “ومن قصد البحر استقل السواقيا”، ومن هنا إلى 20 يناير 2009م يوم أداء القسم لابد من وضع كل شيء تحت المجهر، ذلك أن تركة بوش ثقيلة وملغومة ومتشعبة، فلم تكن سنواته الثمان في الحكم سماناً وإنما هي من نوع العجاف بدأت بالحروب الاستباقية ومطاردة الأشباح في تورا بورا وصحارى العراق وانتهت بالكارثة المالية غير المسبوقة التي تهز اقتصادات العالم كله، ولذلك يودع جورج بوش الصغير وجعاب الرماد ترمى خلفه من مختلف البلدان وهي تردد في سرها:

إذا ذهب الحمار بأم عمروٍ

فلا رجعت ولا رجع الحمار

في الاحتفال بالنصر كانت دموع المناضل القس جيسي جاكسون تلميذ مارتن لوثركنج صاحب الحلم الامريكي الذي قتله المتعصبون تلخص الموقف بكله، فالشعب الأمريكي اختار الوحدة التي طالب بها مارتن، وكذلك كانت أوبرا دينفري أشهر الأميركيات السود تلتقط اللحظة التاريخية كأنها فجر طال غيابه ولكن بزوغه لم يكن فيه شك.

الكينيون حيث جذور أوباما حسين باراك احتفلوا ورقصوا حتى الصبح، وأعلن رئيسهم يوم أمس عيداً وطنياً “إجازة” وبذلك أهدوا إلى ابنهم نبض قلوبهم دون أن يطالبوه بشيء وهذا من شيم الكرام، وفي اندونيسا التي قضى فيها أوباما 4 سنوات مع أمه وزوجها تذكره رفاقه في المدرسة وقالوا أن إجاباته على السؤال التقليدي للتلاميذ: ماذا تريد أن تصبح في المستقبل قوله “أن أكون رئيساً”.. أتراه كان يهجس بمستقبله منذ ذلك الوقت المبكر؟ ربما كان هاجساً وربما كان دافعاً، والفرق شعرة بين الاثنين كما هو الفرق بين العبقرية والجنون.

تبقى “الكاريزما” والمقدرة العجيبة على الإلهام وغرس الشعور بالثقة والأمل لدى الآخرين، وهي موهبة اعترف لأوباما الخصوم بها قبل الأصدقاء، فهو من نوع أولئك البشر الذين لا يملك المرء إلا أن يحبهم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s