نُقطة الانقلاب…

سبق أن كتبت في هذه الزاوية عن أحد إصدارات «مُؤسَّسة مُحمَّد بن راشد آل مكتوم»، ضمن سلسلة «كتاب في كبسولة»، وهُو مُسمَّى دقيقٌ لمُلخَّصٍ وافٍ عن موضوعٍ قد يكون عميق الغور واسع الأرجاء مُتشعِّب الأفكار، لكن على شكل حبَّة الدواء التي نبتلعها مع قليلٍ من الماء، فتفعل فعلها السحري، حيثُ لا نراها ولا نُدرك تفاعلاتها، لكنَّنا نستشعر نتائجها.

تسلَّمتُ يوم أمسٍ نُسختين من «كتاب في كبسولة»، وكان عنوانه «نُقطة الانقلاب»، وهي النُّقطة التي تتحوَّل فيها الأشياء والأُمور والتفاعلات إلى نقيضها، مثلما تفعل الحرارة بالماء المغلي، إذ يتحوَّل إلى بُخارٍ طائرٍ عند درجة المائة «سنتيجراد»، وبذلك يغدو شيئاً آخر غير الماء السائل، إذ تنبت له أجنحةٌ تحمله إلى آفاقٍ لم يحلم بها، وإلى أُناسٍ لم يُفكِّر بهم، وهذه بالضبط هي جدلية الشمس والبحر والسُّحب التي تعمل على إدامة الحياة وتوزيع عوامل نُشوئها وارتقائها على ظهر الكوكب.

وقد سبق لـ «كارل ماركس» أن طبَّق المبدأ نفسه على المُجتمع والاقتصاد والسياسات التي تنجم عنهما، ولخَّصه بالقول : «إنَّ التراكمات الكمِّيَّة تتحوَّل عند نُقطةٍ مُعيَّنةٍ إلى تحوُّلاتٍ كيفية»، وكان عالِم الاجتماع العربي العظيم «عبدالرحمن بن خلدون» قد لحظ هذا المبدأ في نُشوء الدُّول وارتقائها وانحطاطها ثُمَّ تلاشيها، ولا شكَّ أنَّ العُقلاء من الناس والمُفكِّرين والمُحلِّلين لا يستبعدون هذه النظرة من مجالات نظرهم، وإلاَّ كانوا كَمَنْ يحرثون في البحر.

الكُتيِّب الكبسولة من تأليف «مالكولم جلادميل»، وعنوانه «نُقطة الانقلاب»، وله عنوانٌ فرعيٌّ مُوحٍ «كيف تصنع الأشياء الصغيرة فُروقاً كبيرة»، وسأختارُ لكم في ما يلي بعض الاستخلاصات المُبرزة في مُربَّعات لفت النظر، دُون أن أقحم نفسي فيما قد يضرّ ولا ينفع :

} علينا أن نعُدَّ أنفسنا لاحتمالات حُدوث تغيُّراتٍ كبيرةٍ ناتجةٍ عن أحداثٍ صغيرة، والتكيُّف مع حقيقة أنَّ هذه التغيُّرات قد تحدث بسُرعةٍ كبيرة.

} في نُقطة الانقلاب يتحوَّل كُلُّ ما هُو غريبٌ إلى مألوف، وكُلُّ ما هُو غامضٌ إلى مكشوف، ويُصبح التغيير الكُلِّيّ جليَّاً وحتمياً، وليس مُجرَّد احتمال، كما كُنَّا نظنّ.

} يُمكن التعرُّف على قادة الجماعات والوصول إليهم بسُهولة، لأنَّهم موجودون في كُلِّ الثقافات، ومُنتشرون في مُختلف العادات والسُّلوكيات، وإذا ألقينا نظرةً فاحصةً سيتَّضح لنا أنَّه مثلما يُوجد أُناسٌ نعتمد عليهم لتعريفنا بأشخاصٍ جُدد، يُوجد آخرون نعتمد عليهم في إمدادنا بالمعلومات الجديدة، وهُناك خُبراءٌ في الأشخاص والعلاقات وخُبراءٌ في المعلومات.

} إنَّ جامعي المعلومات يملكون كثيراً من المعرفة عن كثيرٍ من المُنتجات : أسعارها، وأماكن بيعها، وهؤلاء هُم القادرون على بدء صرعةٍ جديدةٍ تنتشر كالوباء عن طريق الاتِّصال الشفهي، وهُو ما يعني أنَّ عليكَ التركيز على هذه النوعيات من الأشخاص إذا كُنتَ مُهتمَّاً بإطلاق رسالتك، وما عداهم لا يهمُّون ولا يُؤثِّرون كثيراً.

} عندما نسعى إلى ترويج أو نشر فكرةٍ أو مُنتجٍ أو اتِّجاه، علينا أن نضع في اعتبارنا تغيير عقلية مُتلقِّي الرسالة، ونقل عدوى فكرتنا إليه، وإدخاله في دائرة الانتشار التي نُخطِّط لها، وتحويل اتِّجاهه من العداء للفكرة إلى الترحيب بها، ويحدث هذا من خلال التأثير الذي يملكه مَنْ يتمتَّعون بصلاتٍ اجتماعيةٍ كبيرة، وهذا هُو قانون «القلَّة».

} المُبتكرون والسبَّاقون المُبكِّرون أُناسٌ حالمون يرغبون في إحداث تغييراتٍ جذريةٍ كي يتميَّزوا نوعياً عن مُنافسيهم، وهُم الذين ينزعون إلى شراء التكنولوجيا الحديثة حتَّى قبل أن تثبت كفاءتها، ذلك أنَّ لديهم الاستعداد للدُّخول في مخاطر كبيرة.

على كُلٍّ، هذا غيضٌ من فيض، وقد قيل إنَّ حركة جناح فراشةٍ في شرق أفريقيا قد تتفاعل لتتحوَّل إلى إعصارٍ في أمريكا، وهذه هي نُقطة الانقلاب لِمَنْ ألقى السمع وهُو شهيد.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s