الموتى لا يكذبون…

إذا اعتبرنا أنَّ رئيس وزراء إسرائيل المُرحَّل إلى العدم، «إيهود أُولمرت»، ميِّتٌ سياسياً، فإنَّ الكلام الذي صدر عنه في خطاب الوداع هُو من قبيل كلام الأموات الذين لا يكذبون، حسب التعبير الحزين لـ «بدر شاكر السيَّاب»، حين كتب ما يُشبه الوصيَّة على فراش الموت، مُتسائلاً : «أفيكذب الموتى؟».

وقد بدا أثر كلام «أُولمرت» على وجوه وزرائه، الذين وجموا فيما يُشبه الصدمة، وقد اتَّكأوا بوجوههم على أيديهم، كأنَّهم غير مُصدِّقين، فهُم قد حضروا جلسة مجلس الوزراء تُداعبهم أحلام الوراثة للرَّجُل المريض المُسجَّى على فراش الموت، فإذا به يُفاجئهم ويرميهم بحجارةٍ من الوزن الثقيل :

} أوَّلاً : أعلن بلُغةٍ لا مُواربة فيها، انتهاء «حُلم إسرائيل الكُبرى»، وقناعته – بعد الكثير من العناء والتردُّد – أنَّ «علينا أن نتقاسم الأرض مع مَنْ فيها، لأنَّنا لا نُريد دولةً واحدةً لشعبين»، ثُمَّ دعا «أُولمرت» إلى إقامة السلام الكامل مع الفلسطينيين والسُّوريين فوراً.

} ثانياً : دان «أُولمرت» سياسات قادة بلاده على مدى (40) عاماً، أيْ مُنذُ حرب 1967م، وخصَّ نفسه بنصيبه من النقد، قائلاً : «مُنذُ (40) عاماً ونحنُ نبتدع الحُجج والذرائع لتبرير سياستنا في التقاعس عن القيام بأيِّ خُطوة سلامٍ مع الفلسطينيين على أساس (دولتين لشعبين)، وقد رفضنا رُؤية الواقع وقراءة الخريطة التي تقول لنا إنَّ الزمن لا يعمل لصالحنا، لأنَّنا كُنَّا نرى أنَّنا أصحاب حقّ، وأنا شخصياً كُنتُ من المُخطئين، حيثُ كُنتُ أعتقدُ أنَّ الأرض الواقعة بين البحر والنهر هي مُلكٌ لنا».

} ثالثاً : شنَّ «أُولمرت» هُجوماً غير مسبوقٍ على المستوطنين المُتطرِّفين الذين يعتدون على الفلسطينيين.

هذه أهمُّ ثلاث نقاطٍ لم يسبق لسياسيٍّ إسرائيليٍّ أن تفوَّه بها بمثل هذا الوضوح، وهي تبدو فعلاً كوصيَّة ميِّتٍ عجز عن دُخول التاريخ أثناء تولِّيه الحُكم، فأراد أن يدخله بكونه أوَّل مَنْ نبَّه إلى المصير الفاجع الذي ينتظر الدُّويلة المُغتصبة والنازعة إلى العدوان والشرِّ على مدى تاريخها.

أمَّا عن حُلم «إسرائيل الكُبرى»، فهُو من الأساس مشروع دولةٍ مُعتديةٍ رفضت على امتداد أكثر من نصف قرن، إعلان حُدودها، أملاً في أيَّة سانحةٍ للتوسُّع، كما حدث عقب قرار التقسيم عام 1948م وفي حرب 7691م، التي وضعت فلسطين التاريخية بكاملها وسيناء والجُولان وأجزاءً من لُبنان تحت سيطرة الدولة اليهودية، وقد غاب عن المُؤسِّسين الصهيونيين للحُلم أنَّه في حالاتٍ وظُروفٍ تاريخيةٍ قد يتمكَّن القوي المدعوم من هزيمة جيشٍ آخر واحتلال أرض الغير، لكنَّه لا يُمكنه كسر الإرادة السياسية للشُّعوب أو السيطرة على طاقات المُقاومة التي تنخر واقع الاحتلال وتُحيل حياة المُحتلِّين إلى جحيمٍ حتَّى يدركون أنَّ الخسارات المُتحقِّقة أكبر من المنافع المُتوخَّاة، وهذا قانونٌ تاريخيٌّ تجرَّع الإسرائيليون مرارته حتَّى لعنوا اللَّحظات التي قادتهم إلى الاحتلال والزمن الذي ركبهم فيه العناد والمُكابرة بالتحايل على كُلِّ حلٍّ تقدَّم به العرب، وطبعاً فإنَّ كلام «أُولمرت» لم يكُن وحياً، فهُو – لا شكّ – ضاربٌ في الأعماق، والدليل أنَّ أحداً لم يتَّهم الرَّجُل في عقله أو ولائه، كأنَّ الرأي العام مُهيَّأٌ لمثل هذا الكلام.

أمَّا الاعتقاد بالحقّ، الذي أشار إليه «أُولمرت»، فيدخل في باب الكذب من أجل تجميل الاعتراف، لأنَّه إذا كان حقُّ إسرائيل ما بين البحر والنهر، فأين حقّ الفلسطينيين أصحاب الأرض عبر التاريخ؟ إنَّ الحقَّ المزعوم لا يعدو أن يكون من مُبرِّرات الحُلم الذي تبخَّر، وقد تبخَّرا معاً.

أمَّا عن الزمن الذي لا يعمل لصالح إسرائيل، فقد وضحت بشائره مُنذُ حرب 1937م، واستوى قمراً في كبد السماء في حرب لُبنان2006.

بقي شيءٌ واحدٌ مُهمٌّ وأساسيّ، وهُو أن يلتقط العرب المغزى العميق لحديث «أُولمرت»، لكي يخرجوا من متاهات الضياع والمهانة التاريخية.

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s