باكستان

(آصف علي زرداري) جاء إلى رئاسة باكستان عبر الإبحار في دم زوجته (بي نظير علي بوتو)، وهذا لا يعني أنه شرب دمها، ولكنه اتخذ منه زيتاً لإنارة مصباحه في الطريق الوعر إلى كرسي الرئاسة، و (بي نظير) – التي لا نظير لها، بلغتنا العربية، التي تسللت كلماتها إلى لغات شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى والفارسية الحديثة – جاءت من مشنقة الإعدام التي نصبها لوالدها، الرئيس المدني المنتخب الجنرال (ضياء الحق) الذي قضى بدوره في تفجير طائرته في الجو.
وعلى حد تعبير العراقيين حين قضى الرئيس (عبدالرحمن عارف) في حادث مماثل (طلع دم ونزل فحم)، والجنرال (مشرّف) الذي طوته الأحداث طي السجل للكتاب، رأى الموت بعينيه مراراً عديدية، وهو الآن يستمتع بحلاوة الروح، لا يريد أن يراه أحد، ولا أن يرى أحداً، ذلك أن السلطة في باكستان هي بمثابة السكن في وكر للثعابين، وهي كذلك في مختلف أنحاء العالم الثالث، عدا البلدان ولاشعوب الناضجة التي اتفقت على آلية بالتراضي لتداول السطلة سلمياً دون حاجة إلى فلق الرؤوس وإزهاق النفوس.
(زرداري) وصل، فمتى ينزل؟ القضاة فصلوا بجرة قلم من (مشرف) فمتى يعودون؟ (نواز شريف) خرج من السلطة إلى المعارضة، فبدم من يستضيء للعودة إليها؟ الجيش الباكستاني العرمرم والسلمح نووياً والمعتاد على قلب أنظمة الحكم المدنية، أحنى رأسه للاصفة التي اقتلعت قائده (مشرف) فمتى يقرر الزحف؟ باكستان منذ الولادة وهي على كف عفريت، عينٌ على الهند، وأخرى على النبجاب والسند، والقبائل في إقليم طالبان والقاعدة ليست خارج معادلة باكستان – فقط – وإنما خارج العصر، دبلوشستان على الحدود مع إيران ليست راضية عن نفسها ولا عن الحكم ولا عن الجوار.
باكستان بلد مهاجرين أو – بالأصح – لاجئين تدفقوا بالماليين من شبه القارة الهندية عقب التقسيم الذي رعاه (محمد علي جناح) و (المهاتما غاندي) ورفيقه (نهرو) وقد توغل المهاجرون في خلايا دمها، وسعروا العداء تجاه الهند، حتى أمسكوا بالزمام، وكان (مشرف) واحداً منهم، ولا يزال نسلهم عصياً على الترويض، ذلك أن المقتلع المنبوذ في مهب الريح أشد مضاءً من الساكن الباقي على جذوره القديمة. باكستان كان لها جناحان، ثانيهما في بنجلاديش، ومجرى النهر بينهما الإسلام والخوف من الهندوس، لكن حسابات البيدر لم تطابق حاسابت الحقل، فثارت بنجلاديش على شقيقتها الضرّة، واغتنمت (أنديرا غاندي) – التي اغتالها المتطرفون السيخ بعد ذلك – الفرصة، فساعدة على خلع ذلك الجناح الذي كان عالقاً في البطن الرخوة للهند، وهذا ضاعف المرارات التاريخية في إسلام أباد وروالبندي.
باكستان نظمت ودرّبت وموّلت طالبان الأفغانية، وتلك احتضنت بض القاعدة حتى فقس في جبال تورا بورا، واليوم تتجرع باكستان مرارات طالبان وعلقم القاعدة وتهديدات أمريكا لها بأن تعصب على ركبها في حرب الإرهاب، وتبرك كالجمل، وإلا تعب الباكستانيون من الحروب ومن سياسييهم المراوغين، ومن رجال الدّين الفاغرين أفواههم، والمتخمين بما ملأوا به بطونهم من الأموال والأسلحة والأنصار. باكستان تعبت حتى من (عبدالقدير خان) أبو السلاح النووي، الذي حوّل الإنجاز العلمي إلى سلعة يببيع ويشتري فيها في السوق العالمية المتعطّشة للقوّة.
وصل (زرداري) ليملأ الفراغ على القمة، فمن يملأ الفراغ الأعظم على الأرض؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s