صعود الجبال

شغلت نفسي خلال اليومين المنصرمين بتأمل ظاهرة النمو غير المسبوقفي الصين، ومؤشرات الأرقام التي تدور حوله على الرغم من أنها – أي الأرقام – بشهادات الخبراء تظهر أشياء وتخفي أشياء كثيرة، تبعاً لمقتضيات السياسة، ومن ذلك أن الصين تصنف نفسها ضمن الدو لالنامية التي تعاني أعداد كبيرة من شعوبها الفقر والعوز، وخاصة في المناطق الريفية، ويقول (تدفيشمان) مؤلف كاب (الصين شركة عملاقة) الصادر بالعربية عن (مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم) ضمن سلسلة (كتاب في كبسولة) إن البيانات المالية الرسمية لاصينية لا تضم سوى ما يخص الإقتصاد الصيني الرسمي المرخص، وهو يضم أنشطة محدودة للغاية، بيد أن الإقتصاد غير الرسمي القائم على أنشطة غير مصرح بها يصعب على الحصر والضبط والتخيل، فتصوّر… أي أن ما نراه فيقف له شعر رؤوسنا انبهاراً وإعجاباً – اللهم لا حسد – ليس سوى أذن الجمل، أو قمة جبل الجليد، ويقول صاحبنا لو أننا صدقنا كل ما يقوله الخبراء عن الإقتصاد الصيني لكنا توقعنا أنه سينهار منذ زمن طويل، إلا أنه في كل مرة يتوقع الخبراء الأسوأ، فإننا نجد الإقتصاد الصيني ينمو بمعدل أسرع، وينمّي المزيد من الصناعات القوية، ويصدّر ويستورد مزيداً من السلع، ويجذب مزيداً من الإستثمارات الخارجية.
ويبدو أن جذب الإستثمارات الخارجية له علاقة وثيقة بالمصداقية والوفاء بالوعود، وضبط قرون استشعار الدولة، حتى لا تتجه إلى وضع العراقيل، وإصابة النمو بالكُساح. وقد جرّب بعض المستثمرين في بعض البلدان الفاشلة التي تقدم الوعود مع بخور العود، ولكنها في الممارسة يفكر مسئولوها الأشاوس كيف ينكثون بما التزموا به، فمثلهم {كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا} كما جاء في القرآن الكريم.
ما علينا… ودعونا مع الناجحين وقصصهم التي تنعش الروح، ففي عام 2003 حلّت الصين محل الولايات المتحدة كأكبر دولة جاذبة للإستثمارات في العالم، حيث جذبت في تلك السنة 53 بليون دولار مقابل 40 بليون دولار لأمريكا… لاحظ أن قصة الأولمبياد تسير على لابوصلة نفسها، ومن الغريب أن الإستثمارات الذاهبة إلى واشنطن هي في جانب كبير منها صينية، تنفقها مؤسسات متعملقة، تبارد إلى شراء نظيراتها الأمريكية.
في الأولمبياد الأخيرة حازت الصين على ميداليات ذهبية في رياضات لم تكن معروفة لديهم حتى وقتٍ قريب، ولم يعرف عنهم تفوق فيها من قبل، وهكذا الحال في الصناعة، ومن ذلك صناعة الجلود التي لم يكن لهم فيها باع ولا ذراع، إذا ما قورنوا على سبيل المثال بالإيطاليين، وهم الآن في صدارة ممولي العالم.
في 2001 كانت الصين تنتج اقل من 1 بالمائة من الجوارب التي يرتديها الأمريكيون، وبعد مرور عامين فقط تضاعفت واردات أمريكا من الجوارب 200 مرة، لتبلغ لانسبة 20%، وقل مثل ذلك عن مستلزمات الملابس مما لا تراه العيون، ولكنه في الأخير يتجمع كقطرات المطر، لتتدفق سيول الذهب منه… تصور أن سلسلة متاجر (وول مارت) الأمريكية اشترت لوحدها عام 2003 ما قيمته 15 مليار دولار من الموردين الصينيين.
صنعة السيارات مثلاً: تم استثمار ما يزيد عن 12 بليون دولار فيها خلال العقد الماضي، وبشكل عام تتجاوز قيمة التعاملات في هذه الصناعة أكثر من تريليون دولار، أي ما يساوي عشر الناتج الأمريكي، أما صناعة الإتصالات فحدث ولا حرج، فالصين تنتج 800 طارز من سماعات الهواتف، والسعر “يا بلاشاه”، والآن يكتسحون صناعات الطيران الحربي والمدني، وصناعة الأجهزة الطبية بأحدث إختراعاتها، إضافة إلى الصناعات الدوائية، أي أنهم كالجراد، يلتهمون كل ما يلوح أمامهم من فانوس رمضان المصري إلى البوينج الأمريكية، وحى تويوتا اليابانية، كل ذلك وبراءة الأطفال في عيونهم، وأما الآتي فقد شخصه عمنا (مطهر الأرياني) “يا قافلة عاد المراحل طوال”، ولكن ليس باتجاه توقع الأسوأ، وإنما باتجاه صعود القمم، وصولاً إلى السماء:
ومن لا يجرّب صعود الجبال = يعش أبد الدهر بين الحفر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s