يا … ليت

عمارةٌ من عشرة طوابق زيَّنت الشارع وأسعدت الناظر وأبهجت القلب المُتشوِّق إلى العمران والنماء، لكن، هل القصَّة تقف عند هذا الحد؟ لا، أبداً، فقد جلبت تلك العمارة التي تحتوي (40) شُقَّةً (40) سيَّارةً لم يتَّسع لها الشارع المُلوَّث بعوادمها وهي تذهب وتجيء في ضوضاءٍ وجلبةٍ تسلب راحة النائم وتجعل الأُمَّهات أيديهنَّ على قُلوبهنَّ، إذا ما خرج أحد الأطفال لقضاء غرضٍ أو للَّعب مع أترابه، ولأنَّ الطُّيور على أشكالها تقع، فقد اجتذبت تلك العمارة عشر عماراتٍ أخرى زادت الطين بلَّةً، حيثُ لم تَعُدْ شبكة المجاري القديمة تحتمل الضغط المستحدث، وبدأت تُرسل ما في جوفها إلى ظاهر الأرض، مُهدِّدةً بنشر الأمراض وإزكام الأنوف بالروائح، وأصبح المرور في ذلك الشارع، الذي تناسلت عشرات الشوارع على شاكلته، نوعاً من العذاب والعُقوبة للسُّكَّان.

كُلُّ هذا يعود إلى التوسُّع العشوائي غير المُخطَّط، وإلى نموِّ المدن على حساب الأرياف، وإلى غياب الخيال والقُدرة على التوقُّع من حسابات المُخطِّطين، وإلى الاتِّكالية العجيبة التي تُؤجِّل عمل اليوم إلى الغد، فتكبر السلبيات حتَّى تستعصي على كُلِّ الحُلول اللاَّحقة، وبعد ذلك يغيب اللَّون الأخضر ويأكل الأسمنت أشكال الحياة، كأنَّه كائنٌ أُسطوريّ، ثُمَّ تُصبح براميل القُمامة المُتعفِّنة جُزءاً من ديكورات الشوارع.

كُلُّ هذا الخليط من السيَّارات وعوادمها والمجاري وانفجاراتها وبراميل القُمامة وحشراتها والإسفلت واحتراقه تحت لهيب الشمس، يُصبح بيئةً طاردةً للصحَّة وحاضنةً للمرض، وتتحوَّل تلك العمارة التي زيَّنت الشارع وأسعدت الناظر وأبهجت القلب المُتشوِّق إلى العمران، رمزاً للاختناق والتلوُّث، وحريٌّ بها وبأخواتها الهدم، لكن هيهات، فقد انتهت السكينة إلى الأبد، فَمَنْ لديه شاطئ بحر، فليُحافظ عليه ليتنفَّس عباد اللَّه بعض الأوكسجين النظيف، وَمَنْ لديه حديقة، فليعضّ عليها بالنواجذ حتَّى لا يُصاب بالعمى من الألوان الكابية، وَمَنْ لديه شِعبٌ بين الجبال، فحذار من أن تُحوِّله السُّلطات إلى مكبٍّ للقُمامة، لأنَّها عجزت عن تدويرها والاستفادة منها، علماً أنَّها في بعض البُلدان تُعامل كمناجم الذهب بعد فرزها وتصنيفها.

بُحَّت أصوات العُلماء حول العالم من التحذير من النموِّ العشوائي وتسرطن المدن بالناس ومُخلَّفاتهم وتلوُّث البيئات البحرية والمياه الجوفية، حتَّى السماء اختفى لونها الأزرق في الكثير من البُلدان، وتحوَّلت إلى سُحبٍ داكنةٍ من العوادم التي تنفثها المصانع والسيَّارات، حتَّى بلغ الأذى إلى طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من مخاطر الأشعَّة، فصار بحاجةٍ إلى مَنْ يحميه، ولو كانت هذه السُّحب المريضة تقف فوق رُؤوس المُسبِّبين لها، لقُلنا جزءاً وفاقاً بما عملوا، لكنَّها تجوب الأرض على أجنحة الرياح، فتمطر أحماضاً تُهلك الزرع وتُمرض الإنسان والكائنات الحيَّة التي تنقرض بالعشرات يومياً، لأنَّها لم تَعُدْ تُطيق الحياة على هذه الأرض المُلوَّثة.

«أنقذوا الكوكب»، صرخةٌ خرجت من أفواه الخضر، الذين يرقبون بفزعٍ لا مُبالاة أصحاب القرار، وانصرافهم إلى توافه الأمور والتكالب على الأرباح والمصالح في غيبوبةٍ سادرةٍ عمَّا يجري أمام أعينهم، ليت الأحزاب والمُنظَّمات التي تنتج اللَّغو ليل نهار، تُفكِّر قليلاً في البيئة وتُعطي بعض الجُهد لمعافاتها، يا ليت، «وإن كانت عُمرها ما عمَّرت بيت»، كما يقول المُغنِّي.

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s