استنطاق إعلان..

الصحافة مرآة المجتمع وصورة لرحلتها، وهي بين أهم مصادر التاريخ، حيث يكتب وقد بعُد بالقدر الذي يمكن الباحثين من رؤيته بقدر من الحياد وبعيدا عن الصراعات والمصالح المتضاربة التي لايخلو منها أي مجتمع من المجتمعات.

 

مجلدات الجرائد تحمل ثروات متراكمة متفاوتة القيمة شأنها شأن باطن الأرض، حيث توجد المعادن والمياه ومصادر الطاقة والآثار المتخلفة من الزمن في جريانه الأزلي، وكلما أوغلنا في الزمن يتبقى من الجريدة النفائس الثمينة المعتقة التي تكسرت أوعيتها وجرارها ولكن روائحها عليها:

 

تلك آثارنا تدل علينا

 

فاسألوا بعدنا عن الآثار

في مجلد «فتاة الجزيرة» لعام 1942، والذي سبق الإلماح إليه في مقال سابق، تجد إعلانا تجاريا وحيدا يتكرر من عدد إلى آخر بالصيغة نفسها، وهو يخص رجل الأعمال اللامع آنذاك الشيخ محمد عمر بازرعة.

 

أول مفاجأة تحديد تاريخ تأسيس هذه الوكالة الشهيرة وهو عام 1873، قبل نشر الإعلان بحوالي 70 عاما، فمن الذي سيقلب في دفاتر أعمال محمد عمر بازرعة وورثته لنرى أية مفاجآت سيتحفونا بها.

 

المفاجأة الثانية تحديد ذلك الإعلان المختصر للصادرات والواردات، وبالتأكيد فإنها صورة الحياة التجارية والتبادلية منذ القرن الـ 19 في عدن، الصادرات: الجلود بأنواعها، بُن، شمع، صمغ، لبان، مر، صبر، عاج، صدف، زباد، عمبر، سجّاد.

 

هذه أهم الصادرات، أما الواردات فهي: سكر، أرز، دقيق، العطارة بأنواعها، صابون، تمباك، أقمشة، غزل، وفي هذه مقايضة نشطة من أجل تكامل السوق الزاخر بإنتاج محلي يوازن ميزان المدفوعات.

 

ويشير الإعلان إلى الفروع والوكالات التابعة لمحمد عمر بازرعة في كل من: الحبشة، الصومال البريطاني، الصومال الجنوبية، جيبوتي، إريتريا، بلاد العرب السعودية، اليمن، حضرموت، السودان البريطاني المصري، أفريقيا، مصر، وهذه قائمة المناطق والبلدان التي يمكن اعتبارها المجال الحيوي لتجارة عدن، وقد انسحبت الآن جميعها خارج المجال الحيوي بسبب التطورات المتلاحقة في التجارة الدولية ووسائل المواصلات والارتكاسات السياسية التي تجعل من لايتقدم يتأخر حتما حتى يتلاشى وتذهب ريحه، وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ومن المعروف أن وكالة بازرعة في مصر هي من أشهر الوكالات في ذلك البلد الأكثر سكانا في منطقة الشرق الأوسط، ثم يضع الإعلان إطارا لهذا النشاط بالإشارة إلى أن أصحابه هم وكلاء للملاحة ولشحن البضائع، وأن الإدارة الرئيسية في عدن (تلفون نمرة 35).

 

إذا هي نواة إمبراطورية تجارية بحرية، لو قدر لها النمو المتواصل في ظروف مواتية لكانت قد توسعت في الصناعة وأعمال العمران والزراعة، لأن التراكم في الثروة والخبرة والتناغم مع مسيرة التطور في البلدان الأخرى هو الذي يؤدي إلى ازدهار الأعمال في أي بلد، ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، وليس معنى ذلك أن نكون قوما مبلسين بعد أن أصبحنا والحمدلله والمنة قوما مفلسين، وتعرفون أن الإبلاس يكون مع الصدمة التي تخل باتزان المرء وتجعله لايعرف بره من شعيره.

 

لقد كان بازرعة يسيّر مراكبه إلى الشرق والغرب، وقد أدركت سر ذلك القول الذي طالما سمعته حين يرى الناس إنسانا مذهولا مهموما، فيقولون له «مالك يا أخي.. أيش غرقت عليك مراكب بازرعة». وهذا اعتراف من المجتمع بالنجاح وتزكيه له، وهو من أسرار المنافسة الشريفة المثمرة، لأن مجتمعنا لاينتج سوى التحاسد والتباغض والتنابز بالألقاب، ولن يقدر له أن يبني مكانه تحت الشمس، وسيشمله قول الشاعر:

 

كالنار تأكل بعضها

 

إن لم تجد ما تأكله

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s