يا لهفتي!!

“هلا أعطيك ما أعطتني الدنيا من التجريب والمهارة لقاء يوم واحد من البكارة”… هكذا أوجز صلاح عبدالصبور رؤيته لغثاء السيل في حياتنا حيث الميّت مولود والمولود مفقود، وما بينهما دود يأكل دود.محمود درويش

وقد مضى صلاح لسبيله إلا من إشراقات تستذكره لأنها استنبطت عمق حزنه واحتفائه بالحياة يتجرعها حزناً وعلقماً، ويترجمها شعراً وبلسماً، ومثل صلاح ترجّل محمود درويش من شاهق مشنقة علق عليها أكثر من ستين عاماً، لم يسلم خلالها من الرجم (الصديق) بحجارة من سجيل ترميها طيرٌ أبابيل، وقد نعقت غربان التكفير أخيراً احتفاء بموته واستنكاراً لمشاعر الحزن التي تدفقت كطوفان نوح لأن الفتى كان أمة في رجل، في زمان قل فيه الرجال الرجال… “حتى على الموت لا أخلو من الحسد”، ومن لا يصدق فليلق نظرة على مواقع الانترنت الجاهلية.

ياله من زمن هذا الذي رحل فيه محمود بعين تبكي على عين، لأن عشاق الكراسي قد خانوا الشعر وطعنوه في الصميم. من أين يستقي الشاعر الوحي إذا كانت السماء تمطر حمماً وأحقاداً ورماحاً من الكلمات؟! غزة – التي تمنّى الإسرائيليون أن يفتحوا عيونهم ذات صباح وقد غرقت في البحر – لم تعد سوى جزيرة تغرق في ذاتها، ورام الله لم تعد تحلم بأي انتصار إلا أن يكون على جثة غزة، وبين الاثنتين لا يموت الشاعر ولكن يموت الشعر، وتموت القضية “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”.

درويش الذي رحل رغم نفسه ورغم أمه – أم هل أقول رغم أمته – ربما أكون مبالغاً في الحديث عن لا موجود كأنه موجود، شاهد المنظر وسخر منا ومن موجودنا اللاموجود.

“لا تضعوا على قبري البنفسج فهو زهر المحبطين، يذكّر الموتى بموت الحب قبل أوانه، ضعوا على التابوت سبع سنابل خضراء إن جدت، وبعض شقائق النعمان إن وجدت”.

“إن وجدت”… هذا هو التعبير المتشائم لأوطان لا يعرف صباحها ماذا سيأتي به مساؤها، ولا غدها ما سيأتي به يومها.

“لقد قتلناه بعد أن أتعبنا قلبه” ذلك ما فاه به أحد الفلسطينيين المتألمين لرحيل الشاعر. وبغض النظر عن المجاز والواقع والمأساة وحمولتها من الذنب، فقد تعددت الأسباب والموت واحد، فلا كلمة تفقد ولا أخرى تسعد.

والموت نقاد على كفه : جواهر يختار منها الجياد

ذلك أن غير الجياد يموتون كل يوم فلا يشعر بهم أحد، أما النبع الجميل إذا غيض في واد خصيب فإن الأشجار والثمار والأطيار تموت معه فلا يعود وادياً إلاّ في اللهفة… يا لهفتي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s