البترول

ظلت بحار البترول ملايين السنين تتدفق في باطن الأرض بانتظار قيامتها، كنوز أسطورية من الذهب الأسود تتحول إلى ذهب أحمر على الفور يشتري أي شيء وكل شيء إلا الحضارة التي اختص بها عقل الإنسان وإرادته الفاعلة ورهافة إحساسه بما وراء الحُجُب.
الإنسان أيضاً يدبّ على وجه الأرض منذ مئات الآلف من السنين، ولكنه لم يكن يعلم عمّا في باطنها سوى النزر اليسير الذي قد يقوده إلى رشفة ماء يطفئ بها عطشه، حتى استوت الحضارة الحديثة على قدميها، وفي يمينها العقل والبحث العلمي واقتحام المجهول، وفي يسارها الصناعة الهادرة المتعطشة للطاقة، والتي جعلت من ابن الطبيعة والحمل الوديع عملاقاً يعبر القارات متجاوزاً سرعة اصوت، ويخترق الفضاء باحثاً عن الكواكب والنجوم، مصغياً إلى نبضاتها، وسابحاً في أعماق المحيطات، يستكشف أسرارها وثرواتها وعجائب مخلوقاتها. وتُعايش الإنسانية المعاصرة الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والشرائح الممغنطة التي لم تعد محتوياتها ترى بالعين، وهو الإنجاز الذي قاد العلماء إلى الإختراعات الصُّغرية (النينو)، فكلما صغرت الشريحة تضاعفت حمولتها، ونتيجة لذلك أصبحت هناك مواخر تعبر شرايين الإنسان وصولاً إلى أي محطة في جسده، تفحص وتسجل وترسل الصور للمختصين والكمبيوترات التي تقرأ الجسد وترصد تحولاته ثم تعيد إرسال مواخرها تفجر سرطاناً خبيثاً هنا فتلجمه، أو تجري جراحة بالريموت كونترول هناك في عالم من السحر البديع، لم يخطر على قلب بشر قبل هذا التطور الذي يرفع أمماً تنهض به إلى ما فوق النجوم، ويخفض أمماً بلهاء متفرجة إلى ما دون الحضيض.
البترول واسطة العقد في الورشة العالمية العظمى التي تكلف عن الإبداع والإنتاج المتنامي والمنافسة بين مراكز الحضارة التي لا تعرف النوم أو الراحة على مدار الليل والنهار.
البترول هو الدم الذي يجري في شرايين الحضارة، فمنه تولد الكهرباء التي تغذي المدن المليونية وتشغل أنظمة المجاري التي لولاها لعمّت الأمراض وتحولت إلى أوبئة تفتك بالملايين، وعشرات آلاف الطائرات ستتحول إلى خردة في غياب مشتقات البترول، ومئات آلاف السفن التجارية والسياحية وقوارب الصيد ستتجم في أماكنها نهباً للرياح، وحين يستخرج آخر برميل بترول ستصاب الحضارة بسكتة دماغية، إلا إذا كان الإنسان قد عمل لإنتاج الطاقة البديلة من المصادر غير الناضبة كالرياح والطاقة الشمسية والحرارة المختزنة في جوف الأرض، وهذا كله يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وإلى عقول نابغة، وتعاون دولي، وسلم واستقرار يقومان على العدل، وليس من صنف ما نشاهده من تحيّز وأنانية واحتقار للأعراف الإنسانية.
البترول قضية عالمية وإنسانية بامتياز، وإذا لم يحصّن بالحصافة والمصالح المتبادلة والتطمينات الضرورية لمستهلكيه ومنتجيه فإنه قد يحرق الجميع.
البترول شارف برميله على 145 دولاراً، فأفرغ خزائن الفقراء، وسوّد معيشتهم، وقد زاد الأغنياء غنى على طرفيه من منتجين ومستهلكين ممن يتشاركون الأرباح، ويفرضون الضرائب، ويضاربون في الأسواق، لأن تراجع السعر بحوالي الربع عن الذروة التي وصلها، ودخلنا في دورة جديدة من حوار الطرشان كما لم تتراجع الأسعار التي اشتعلت لمختلف أنواع السلع، البترول مسؤول، البترول بريء، كل ينظر إلى الموضوع بعين طبعه وبما يعود عليه بالنفع.
ويبقى المستهلك الأعزل عالقاً في مستنقع البترول لا يستطيع الخروج ولا يطيق البقاء، وهذا كل شقاء في شقاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s