سياسة المنشار

لم أر تطبيقاً نموذجياً لمثل المنشار الذي يأكل الخشب حال طلوعه وحال نزوله سوى الولايات المتحدة الأمريكية التي تأكل من كل اقتصادات العالم بواسطة دولارها المتهالك المعتمد كعملة قياسية وتبادلية في مختلف البلدان وتعد آلاف الملايين المكدسة في خزائن الدول كاحتياطات عملة صعبة بمثابة قروض على الولايات المتحدة ولكنها لا تدفع عنها فوائد بل هي تلتهم أجزاء كبيرة من أقيامها بالتخضم المستمر، ثم انها لا حمداً ولا شكوراً وانما تصابح العالم وتماسيه بالتهديدات والعقوبات ولها من الأذرع ما يجعلها كالأخطبوط وهذه حالة شاذة عكست نفسها على السياسة بمعناها الواسع في وضع غير مسبوق في تاريخ الامبراطوريات العظمى وعشية الحرب العالمية الثانية كان الناتج الوطني الأمريكي يساوي نصف الناتج العالمي تقريباً الأمر الذي برر هذه المكانة العالية للدولار ودولته ولكن الوضع العالمي تغير الآن بحيث أصبحت أمريكا في طابور الدول المتناظرة وربما يتجاوزها اقتصاد منطقة اليورو إن لم يكن قد تجاوزها فعلاً كما أن الصين هي المحافظ الأول على بقاء الدولار على قدميه وذلك بمليارات الدولارات المستثمرة في سندات الخزينة الأمريكية مقابل الفوائض التي تحققها بكين من صادراتها والتي يعجز الاقتصاد الأمريكي عن الوفاء بها سلعاً مقابلة يحتاجها الاقتصاد الصيني لذلك تظل مرصودة لحساب الصين لساعة “العوزة” وقل مثل ذلك عن اليابان وعن دول البترول التي تقدر عوائدها بالترليون في ظل جنون أسعار النفط. وهذه الأموال تتدفق كأمواج البحر أيام الأعاصير الشديدة باتجاه البنوك الأمريكية حيث يعاد استثمارها بما شاءت وفيما شاءت وأيان شاءت.

ويمكن القول أن الاقتصاد الأمريكي الذي فقد مكانته الفريدة يعيش كالمتسلقات على جهود الآخرين وثمة في أمريكا من لا يدركون هذا الواقع فهم يظنون كل ما يلمع ذهباً امريكياً، وقد يصلون في اعتقادهم إلى درجة الإيمان أنه لولا اقتصاد بلدهم وما يضخه إلى شرايين الاقتصاد حول العالم لانهارت الأسواق والتبادلات والتعاملات ولجاع الناس وأصابتهم المسغبة، ومن هنا نجد أن سياسات الغطرسة تجد لها تأييداً بسبب هذا النوع من الضلالات، ولكن ليس كل الامريكيين على هذا القدر من العمى وقصر النظر، ففيهم من يدركون بعمق التحولات العالمية وخاصة الاقتصادية وهم يطالبون بترشيد السياسة لتكون في خدمة الاقتصاد، ذلك أن سياسات القوة والتهديد بها عمرها قصير، وما يحققه الآخرون خارج أمريكا من معجزات اقتصادية وفتوح علمية سيتحول إلى قوة تنافس أمريكا طال الزمن أم قصر إذا كان لابد من الاستعداد لذلك الوقت المنذر فمن الحكمة إعادة النظر في السياسات لتكون الولايات المتحدة قوة بناءة متصالحة مع آمال الشعوب، لا نمرأ امبريالياً يمتص دماء الآخرين ثم يكافئهم بإنشاب مخالبه في لحومهم ومن يتابع تنامي النفوذ الصيني في افريقيا حيث المواد الخام والتعطش للمعرفة وللنمو المتوازن يرى الفرق بين سياستين على طرفي نقيض، وربما كانت الحاجة والخروج المتأخر إلى العالم هي من بين أهم دوافع الصينيين ولكن الثقافة بمعناها الحضاري هي في صميم الانتشار الصيني الذي يجد كل التقدير من قبل الشعوب.

لقد عانت أمريكا من الاستعمار والتفرقة وخاضت الحروب في سبيل استقلالها ووحدتها والسيطرة على ثرواتها وكان العالم مستبشراً بولادة هذا العملاق من رحم الاستعمار الغربي المتغطرس ولكن وبكل أسف هاهي أمريكا تنهج النهج نفسه فهي نأمل أن تتغير؟.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s