سمك يأكل سمك!!

أعلن رئيس جمعية مرضى الكلى الأردنية أن 35 شاباً أردنياً توفوا في السنوات الثلاث الماضية بعد أن باعوا كلاهم مقابل 3 آلاف دينار (4300 دولار) لكل كلية… يا بلاش.

ويا لها من حياة رخيصة تباع وتشرى بثمنٍ بخس، وحتى لو حصل الواحد من هؤلاء الفقراء على مليون دولار، فما الذي يستفيده إذا كانت حياته التي وهبه الله تعالى إياها هي المقابل. وأنا أعرف أن الوعظ حول مثل هذه الإفرازات الإجتماعية الناتجة عن الفقر والحاجة والجهل هي آخر ما يريد الضحايا سماعه، فمما لا شك فيه أنهم قد سمعوا الكثير، وأداروا في أذهانهم طويلاً قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة الإنتحارية، ومن المؤكد أن السماسرة الوسطاء وكذلك الأطباء المستفيدين من مضاعفات العمليات وربما أنهم في تلهفهم لجني الأرباح قد تهاونوا في الفحوصات، لأن الإستئصال والتسويق هو الهدف، ولا ندري كم من الضحايا على الجانب الآخر، فالبائع والمشتري هما بين الضحايا في مثل هذه الحالات.

وعلى كل حال فإن هذه الإنذارات التي تصدر بين حين وآخر من مختلف البلدان الفقيرة ليت سوى قمة جبل الجليد المتوارية كتلته الرئيسية في الأعماق المظلمة، وهي أشبه بما يصدر عن البراكين قبل أن تنفجر، والمسألة ليست في بيع الكلى، لأن أشياء كثيرة تُباع على مذبح الحاجة ومطالب الحياة التي أعجزت غالبية الناس عن الوفاء بها، ولو تقصى المتقصون مقدار ما يبيعه عموم الناس من كراماتهم واحترامهم لأنفسهم وتضحياتهم بسعادتهم وقدراتهم الطبيعية على الترقّي لهالهم ذلك البيع الذي يتم أمام عيونهم على مدار ساعات الليل والنهار، ولكن الألفة أفقدتهم الدهشة، وبالتالي أفقدتهم القدرة على قراءة كتاب المجتمع الذي يعيشون فيه، فالناس حين يخامرهم اليأس من الإصلاح وتبديل الحال يخضعون للقانون السائد، بل ويبرعون في التفنن للإضافة إليه، كأنما الواحد منهم يقول لنفسه “أنا الغريق فما فخوفي من البلل”.

هذه الرؤية المجافية للأمانة في القول والفعل، والمجافية لمكارم الأخلاق تصيب الشعوب بالتبلّد وتدفعهم دفعاً إلى تحليل المحرّم على كل المستويات. وفي كل ظاهرة شاذة نلمس صورة من صور المجتمع في معاناته ومغالبته لظروف الحياة الصعبة، وقد جاء في الخبر أن غالبية الضحايا كانوا من سكان مخيمات اللاجئين في الأردن، وهم الأكثر بؤساً في كل مكان، فهوامش العيش تضيق أمامهم حيثما اتجهوا، كما هو شأن اللاجئين في شتى بقاع العالم.

وقد لاحظت شخصياً معاناة اللاجئين الصوماليين المتهمّشين في المناطق العشوائية من مدينة عدن، فاستنتجت أن هذه البيئة المهملة وغير المعتنى بها يمكن أن تصبح مع الوقت مصدر أمراض من كل الأنواع، تصدّرها إلى محيطها، ورغم هذا البؤس فإن الكثيرين ممين يقتاتون على المساعدات الدولية بانتظام يحسدهم الكثير من اليمنيين الذين لا يجدون شيئاً لمعاشهم ومعاش أبنائهم سوى التسوّل وإهراق ماء الوجه للحصول على ما يسدّ الرمق.

إذاً القضية ليست في الأردن ولا في مصر ولا في المغرب ولا في اليمن فقط، وإنما توجد حيث يتجاور الفقر والغنى دون ضوابط, يعني السمك الكبير يبتلع السمك الصغير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s