الإنهيار…

انهارت مفاوضات التجارة العالمية في جنيف بسبب الخلاف حول اقتراح لمساعدة المزارعين الفقراء على مواجهة طوفان الواردات، وقالت الصين: “إن الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي لم يكن لديهما أي استعداد لخفض الدعم الهائل الذي يقدمانه للمزارعين المحليين”. ووجهت اليابان أصابع الإتهام في الإنهيار إلى كل من الصين والهند قائلة: “إنها تتساءل عما إذا كانت كل من الصين والهند تقيمان بدقة كلماتهما وأفعالهما في ضوء مسؤولياتهما في الإقتصاد العالمي”. فيما قال وزير الخارجية البرازيلي: “إن المفاوضات كانت واقفة على حبل مشدود لم يصمد، وأن أي مراقب يصل من كوكب آخر لا يمكنه أن يصدق أننا لم نتمكن من الإتفاق بعد التقدم الذي أحرزناه”.

وأوضح أن الثيران التي نزلت إلى الحلبة لاستعراض قوة قرونها والإنابة عن فقراء العالم – الذين لم يكن لهم وجود يذكر في المفاوضات سوى عرضهم للبيع كما تباع الخراف في الزرائب لمن يصلصل النقود الأوفر في جيوبه – وهي: الولايات المتحدة، الإتحاد الأوروبي، اليابان، الصين، الهند، البرازيل، وأستراليا، والتي ينطبق عليها القول: “أين الغني أزيده، وأين الفقير أقطع يده”.ومن اللطائف المضحكة عقب الإنهيار المزري، تبادل الإتهامات وإظهار الأسف الشديد على ما جرى، مع عدم التقدم بأي اقتراح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو حتى لمجرد إشاعة الأمل الذي داسته الحوافر والأظلاف والنفوس التي لا تشبع، الأمر الذي يذكرني بكلمات جوزيف ستالين في الحرب العالمية الثانية حين همس في أذنه أحد مستشاريه حول أهمية كسب موقف بابا روما، فما كان من الجبار إلا أنه قال: “وكم دبابة يملك هذا البابا؟”، وقد كانت هذه من صنف الرسالة التي وصلت إلى فقراء العالم من جنيف على هيئة سؤال: “ما الذي يمكنكم إغراءنا به أو حرماننا منه؟”، لا شيء طبعاً، ولا شيء يأتي من لا شيء كما يقول المناطقة والفلاسفة، والإستنتاج: “إذاً موتوا كما تشاؤون، فلن تزيدوا أو تنقصوا من عالم الأثرياء مقدار خردلة”، وبطبيعة الأمور فإن الحاضر لن ينوب عن الغائب في هذه المدلهمات، خاصة إذا كان الغائب – وإن حضر – فقير وأهبل، كما هو شأن دول العالم الثالث التي تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل على حد تعبير الشاعر الجاهلي، فلا هي في السابقين ولا في اللاحقين، فهي تحوم ما بين عوالم الجن وتفسير الأحلام وانتظار ما يجود به اللئام، ولا شأن لها بالعمل والإبداع وترقية الذات الذي يسم الحضارة المعاصرة.

الصين والهند – قرتا أعين الفقراء – لم يلحظا سوى مصالحهما ليكون لهما من الوزن السياسي ما يفوق أوزانهما الإقتصادية اللامعة في برج السعود بين سعد ومسعود، وحتى لهما ذلك لأنه من طبيعة البشر أولاً وفقاً للمثل اليمني “من حصل العافية دق بها صدره”، ثم إن وضع أكثر الدول التي نعنيها والغارقة في متاهات الفقر يشبه وضع الغريق اليائس، كل من حاول إنقاذه جره معه إلى الأعماق، والقاعدة أن من لا يساعد نفسه لا يساعده أحد… إسعى يا عبدي وأنا أسعى معك.. ومن قال بغير ذلك من بائعي الأوهام فكلامه “مخيط بصميل”، ولا يجوز إلا على ذوي العقول الفقيرة أو يجوزه تدليس أصحاب المآرب الحقيرة.

ما عينا… فلنستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، وقد يقيّض الله زعيماً عالقاً لثياً يكشف للناس حقيقة ما يحاك حول العالم من المترفين، وأن يبصّرهم أهمية الإعتماد على الذات بزيادة الإنتاج وتجويده، وخفض الهدر الذي لا مبرر له، وتميزه، وأن يضرب المثل بنفسه وأهله وعشيرته والأقربين وأصدقائه ومرؤوسيه المقربين، حتى لا يأكل الناس بعضهم أملاً في العثور على جوهرة الثعبان في بطن إنسان.

أيام الإمبراطوريات الإستعمارية سلمت بلدان كثيرة إلى حين، لأن المستعمرين آنذاك اختلفوا على أنصبة الغنيمة، ثم تقاسمت موسكو وواشنطن المشرق والمغرب قبل إنهيار سور برلين، ومع انهيار منظمة التجارة العالمية نقول ما قاله المولى عزّ وجل {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرٌ لكم}.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s