تحويل مؤقت لمجرى النهر

كشّرت المحكمة الدستورية التركية عن أنيابها ولكنّها لم تعضّ حزب العدالة والتنمية الحاكم العضة المميتة المتوقعة، واعتبرت على لسان رئيسها قرارها بعدم حل الحزب أو منع 71 من أعضائه من الانتماء إلى أي حزب سياسي لمدة 5 سنوات بمثابة إنذار.. وياله من إنذار سيجعل حزب رئيسي الجمهورية والوزراء وصاحب الأكثرية النيابية يقيس عشر مرات قبل قطع أو تفصيل أي قانون أو إجراء أو تصرف يستفز العلمانيين أو يشتبه في «إسلاميته» وسبب خطورة الإنذار هو أن أغلبية القضاة كانوا إلى جانب الحلّ والمنع وعددهم ستة ولكن النصاب لم يُستكمل حيث عارض خمسة فنقص المطلوب صوتاً واحداً كي تكون النتيجة المثلى من وجهة نظر الدستور العلماني سبعة إلى أربعة، هذا الانقسام في المحكمة يعكس إلى حد كبير الانقسام في المجتمع الذي ضافت عليه الأردية التي فصلها «أتاتورك» مؤسس الجمهورية العلمانية منذ أكثر من ثمانين عاماً، وهذه مصيبة «الايدلوجيا» و«الأدلجة» البشرية حيث الحراك في المجتع لا يقابله حراكٌ في التفكير مما يوصل الشعوب إلى عنق الزجاجة الخانق فلا يكون أمامها سوى كسره ولو أدياها أو أن يقوم عقلاء القوم من الساسة وأصحاب الحل والعقد بتنفيس الضغط الذي يولد الانفجار بانتظار بدء جولة من الصراع البشري المستتر والخفي تغذيه تطورات داخلية وتصفق له قوى خارجية.. والعبرة هنا لمن شاء أن يعتبر.

حكم المحكمة الدستورية التركية صفّق له الإسلاميون لأنه جنبهم الأخطر، وقبله العلمانيون على مضض لأنه أعفاهم من المجهول القادم الذي لا يعرفون كُنهه، وقد كانت وسائل الإعلام التركية التي خاضت المعترك مع وضد بكل حماس وبكل الأسلحة هي مصدر الوقود الذي كان يتدفق باتجاه الشّرر الذي ينفقه السياسيون ولكن المحكمة التي لم تركب رأسها تحملت مسؤولياتها وفقاً لسياسة «لا غالب ولا مغلوب» وفي الحاكم قدر كبير من الحكمة تليق ببلد على مفترق طريق تاريخي، فتركيا مزدهرة ديمقراطياً قياساً بجيرانها في الشمال والشرق الذين لا يزالون يلبسون الديكتاتورية أردية ديمقراطية مزورة، وباهته ديمقراطياً قياساً بجيرانها في الغرب الذين تجاوزوا العنعنات القومية والحيل الديمقراطية الشكلية الفجة، وتدل محاكمة من سموهم بمدبري انقلاب محتمل كان ينمو في الظلام على أن أنقرة تقترب حثيثاً من فرز تاريخي بعد أن أظهر التعايش بين القطط والفئران وهنا ملموساً، فالقطط العسكرية المكبلة لا تزال تحتفظ بأظفارها وأنيابها، والفئران المستهدفة كسرت حاجز الخوف التاريخي وتمكنت من معرفة مداخل البيت ومخارجه، كما تسلحت بأوراق جديدة بينها، صناعة الاعتدال الإسلامي الذي يقربها إلى الغرب زلفى ، وإعلان الولاء الدائم للعلمانية والدفاع عنها حتى آخر جندي معمم، ولعب دوراً انقاذياً في الشرق الأوسط تمثله المحادثات السورية الاسرائيلية المؤقتة في اسطنبول والتي قد تقلب طاولة اللاعبين الأساسيين في المنطقة رأساً على عقب في أي لحظة.. وما خفي أعظم.

على كل حال.. بحكم المحكمة القابل للاستئناف التاريخي التقطت تركيا أنفاسها، ومعها المنطقة والعالم.. والسؤال هل تم حل المشكلة؟ لا أبداً.. فالحكم مجرد تحويل مؤقت لمجرى النهر.

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s