إني أغرق.. أغرق..

Library-Books1المكتبات كثيرة ولكن الكتب قليلة بل ونادرة، ذلك هو الانطباع الذي خرجت به من جولاتي في مدينة كريتر بعدن، وكانت السماء تزخّ حرارة الصيف اللاهبة، والكتب المعروضة في سوق الكساد تدرّع بالجلود الأنيقة وروائح الورق الذي تم خزنه طويلاً في الصناديق المظلمة المغلقة، وتشرب قدراً معقولاً من الرطوبة التي تعلن عن وجودها بكثير من الخجل الذي لا يخلو من رياء. جلت في مكتبة كبيرة نسبياً بالمقاييس المحلية، وتقع في مبنى عتيق على حافة شارع البنوك المسمى باسم الملكة، والمقصود بها السيدة أروى، فيما ناس الخمسينات والستينات كانوا يظنونها ملكة بريطانيا العظمى التي لا تزال على العرش رغم أن عظمها قد وهن واشتعل الرأس منها شيباً، ففي تلك الفترة كانت اليزابيث ملكتهم بالتبعية الاستعمارية، ومستشفاهم الكبير هدية منها ومسمى على صفتها كملكة، فلا يتبادر إلى الذهن امرأة أخرى سواها في الامبراطورية التي قيل أن الشمس لا تغيب عنها لامتدادها في الشرق والغرب، كأنما هي التي تتداول الشمس وليس العكس. وقد زرت ذلك المستشفى الذي كان معرضاً للأناقة والنظافة، فوليت منه فراراً وملئت رعباً وتلك قصة أخرى تدلّ على أن النحوس تلحق الملكات عقب السعود، فالملكة فكتوريا التي طبعت عصراً بكامله بناسه البسطاء وعسكرييه وسياسييه العظماء، كما وسمت الأدب بمسمّيها، ناهيك عن الأزياء وتسريحات شعر النساء… الخ، فقد حكمت حكماً لا أطول إلا أن تنافسها أروى صاحبة جبلة التي قيل أن دارها الكوكبية – نسبة إلى كوكب الأرض – كانت تضم 365 غرفة بعدد أيام العام، وفي كل منها تقضى ليلة على الرغم من أنها كانت كارهة للزواج نافرة منه، تتعرض للإهمال وجامعها يتآكل… ما علينا، فإن (جبلة) بكاملها قد اختفت عن واديها، ولم تعد متاحة للرؤية إلا في الخيال، فقد حجبتها عن نظر العابرين بيوت كالقلاع، أو هي قلاع كالبيوت يشيدها مغتربو أمريكا، ولا يقطنون فيها، إلا (فكتوريا) اقتلع تمثالها من حديقة التواهي ويوم لك ويومٌ عليك وثالث لا لك ولا عليك. أعود إلى المكتبة في الدار العتيقة ذات الطراز الكولونيالي الذي تجده في مدينة (بنجالور) الهندية، حيث وادي (السليكون) الذي يجسد عبقرية الهند المعلوماتية، حيث لم أجد في تلك المكتبة مما يجتذبني سوى محاضرتين للدكتور أحمد زويل العربي المصري صاحب نوبل، والذي قال ذات يوم أنه لو قعد في بلده لما تجاوز موظفي الأرشيف العثماني المليء بالأتربة، فبلداننا تتكلم عن العلم كثيراً، ولكنها تقتل همم العلماء بدم بارد لا مثيل له. الذنب ليس ذنب صاحب المكتبة أو صاحبتها، فلست أدري لأن الإشارة إلى مثل هذه الأمور الحسية قد تثير حفيظة البعض من الذين لم يروا أهمية لوجود سيدات مثل ملكة سبأ وأروى بنت أحمد واليزابيث وفكتوريا، وهم لم يبصروا أن المرأة سوى ما يعرفه جميع الناس مما يأتيه فأر وفأرة على حد التعبير الظريف للشاعر المُبصر عبدالله البردّوني “لكأنما الفضيلة معلقة بأهداب الرجال، والرذيلة مختومة على أجساد النساء” فيما المجتمعات والنفس البشرية تمور بالتناقضات بين العلن والسر، وفي الأخير فإن إضاعة عقول الناس ينطبق عليها قول الشاعر:

أمور يضحك الجهّال منها : ويبكي من عواقبها الحليم

ويبدو لي أن مسألة الكتب لها علاقة بوعي القراء، وبالأمور والهموم التي تشغل بال المجتمع، وقد جرت في النهر مياه كثيرة حتى لم يعد الواحد منها يعرف أهو يغسل قدمه في ماء بارد أم في أسيد هار، فعالم النساء الآن مسكون بالجن والعفاريت، وعالم الرجال مأخوذ بالجذب والمجاذيب، ولم تبق إلا صورة اللحم والدم، فالرجال ذابوا في الأسيد، والنساء تبخرن وتحولن إلى قرميد… عدت إلى كتابي المفضل: كريتر وبحرها وجبالها وموتاها شبه الأحياء، وأحياءها شبه الأموات، ولم تكن معنية بالكتب الميتة، فعندها من ذلك أصل الموت وتفرعاته، ومن يملك الأصل لا يبالي بالصورة. اتكاءة على شمسان، وعيني على البحر، وهأناذا أكتب في الجد إني أغرق… أغرق… إن كنت صديقي ساعدني كي أشفى منك… رحم الله تعالى نزار الذي أفتى من أفتى بعدم جواز قبره في مقابر المسلمين… ويبكي من عواقبها الحليم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s