المال السايب

كنت أردد دائماً المثل القائل: “لأن تصل متأخراً خيرٌ من أن لا تصل أبداً”، ولكن هذا ينطبق على الأعمال التي تتصف بالخير وبالعودة إلى الحق وبالعدالة المفقودة، أما في بعض الأمور – التي يفترض أن تكون تحت المجهر على مدار الساعة – فإن الوصول المتأخر إليها يعني التفريط والتهاون المفجع، وربما التواطء بما يضع المراقَب (بفتح القاف) والمراقِب (بكسرها) في زنزانة واحدة، وقد كثر الحديث عن المال العام الذي يذهب هدراً كالمياه العادمة المتردية في مجاري المدن المهملة، حيث تتحول مع الوقت إلى أمراض وبائية لا يرجى لها شفاء.

وقد راعني كما روّع غيري تقرير لجنة التنمية والنفط والثروات المعدنية التابعة لمجلس النواب والخاص بأوضاع شركة مصافي عدن، والذي ذكر أن المصفاة العظيمة – التي بنيت عليها الآمال الوطنية كمورد سيادي – قد حققت أرباحاً عظيمة خلال الأعوام 2006/2002 بلغت صفراً في المائة. وهذا الخبر يفرحنا جميعاً، كُتاباً وصحفيين ومواطنين وجباة ضرائب، فهذا الصفر هو سبقٌ لا مثيل له، ويستحق أن نقف جميعاً صفوفاً وراء صفوف وبأيدينا باقات الزهور لتنهئة الأشاوس الذين حققوا الإنجاز في زمن تُحقِّق فيه أسعار البنزين والمواد المشتقة أعلى الأسعار عالمياً، والدول والشركات الموزعة، وكذلك الوسطاء يتقاتلون على كل نقطة بنزين، ويحلمون بتوقيع عقود على مددٍ زمنيةٍ غير محدودة، نقول ذلك ونحن نضحك لأن شر البلية ما يُضحك.

صفر بالمائة لا زايد ولا ناقص، يعتبر منّة تستحق كل الشكر على طريقة صاحب البقالة الذي تحايل على العميل الغافل عن حساباته وما أعطى وأخذ فهو يقول له بالمختصر المفيد “دخل لك خرج لك ما بقي لك شيء”، وليشد صاحبنا بعد ذلك شعر رأسه أو يقطع ثيابه ويسرح مع المجانين في الشوارع، ذلك أن المال السايب يعلّم الحرام كما يقول المثل.

وإذا كان هناك من أمر يستحق الإعجاب في هذه الفاجعة فهو أن الجماعة قالتها على (بلاطة) بلا لف ولا دوران، بعد أن قامت لجنة التنمية والنفط بعدة زيارات إلى المصفاة التي مثلت حجر الزاوية في اقتصاد عدن ومناطقها الحرة منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي وحتى الاستقلال المجيد، وكانت تعمل بنظام كالساعة دقيقة بدقيقة وثانية فثانية، وكانت دفاترها شفافة كالزجاج، وربحيّتها معروفة سلفاً.

أما الآن فيبدو أن المصفاة المسكينة المغدورة قد دخلت متاهة جُحا، وأصبحت عبئاً على نفسها وعلى ناسها وعلى وطنها، مما يمهد لبيعها للقطاع الخاص الذي سينظر إليها كما ينظر إلى أي سلعة في سوق الخردة، وسيكون دليله على ذلك هذه النتائج المفزعة التي جعلت منها أضحوكة بين مصافي المنطقة، وقد كانت السيدة الملكة في شبابها وحتى في كهولتها قبل أن تهزل:

لقد  هزلت حتى بدا من هزالها
كُلاها وحتى سامها كل مفلس

ضحك صديقي صاحب التعليقات الحادة كالموس وهو يريني الخبر ونحن نفطر قبل أن نغصّ باللقمة، وقال: “إذا كان صديقنا صاحب المطعم في الدكة بالمعلا والذي عمره من عمر المصفاة يغطي مصاريفه وأجور العمال ويحقق ربحاً طيباً حلالاً، فكيف بمثل هذه المنشأة الصناعية الكبرى وهي تتمرغ بالوحل، وكما ذكر التقرير الذي حلمت وأنا نائم أنه قد يكون مدسوساً أو مفبركاً، يقول أن إجمالي المصاريف وصل إلى 99.7% وهي نسبة تعادل نسبة فوز المزيفين العرب في الانتخابات. لذلك فلا ينبغي البحث عن الخسارة في الأنابيب أو التوانك أو تلك الشعلة التي لا تنطفئ أبداً، وإنما في أغوار النفوس التي لا تشبع، والأذن التي لا تسمع، والعيون التي لا ترى. وقد كان تعليق اللجنة – الذي نخشى أنه ذهب هدراً – هو: “لا يُعقل أن شركة بحجم المصافي، وبهذا القدر من المبيعات تحقق صافي ربح قبل الضرائب مقداره 2 بالألف” وحتى اللحظة لم نسمع أي رد أو تعليق ممن يهمهم الأمر:

لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن iiتنادي

ولله الأمر من قبل ومن بعد…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s