الصمت أستر!

لعلّه (فلاديمير إيليتش لينين) قائد الثورة السوفييتية الذي كان يصاول بالكلم بأقوى وأنجع مما يصاول بالنادق والرصاص، هو القائل: “اعطني جريدة أعطيك ثورة”، وقد استخد هذا السلاح الفتح بدراية ودربة، واقتحم به عقول الناس وعواطفهم قبل أن يقتحم قصور وقلاع القياصرة، فيجعلها أثراً بعد عين.

وينسب إلى (جوبلز) وزير اعلام (هتلر) قوله: “كلّما سمعت مثقفاً يتحدث، تحسست موضع مسدسي”، والمثقف هنا مرادف للكلمة وللكتاب وللصحيفة، ولم يكن عبثاً أو مصادفة أن أول ما نزل من القرآن الكريم {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم}، وقد أشعلت الدعوة المحمّدية ثورة معرفية هائلة بمقاييس عصرها، وفي فترة زمنية وجيزة تحوّل الصم البكم العمي إلى علماء مرموقين، ومفكّرين ومعلّمين، قرنوا المعرفة بالعمل، وهذا هو الأساس الأول للحضارة الإسلامية التي غيّرت وجه التاريخ.

وحين كتبت أمس عن وضع الكتاب في بلدنا، والذي يمكن القول عنه إنه (اللاوضع)، أي أن وجوده كعدمه، لم أكن أقصد مجرّد الوجود الميّت لهذا الكائن الحي الذي لا يموت حين يقبل الناس عليه ويتدارسونه ويقصدونه إلى أطراف الأرض، لأن الكتاب هو حاوية المعرفة وشعلة الحضارة، وذلك هو المقصود بالحديث الشريف “اطلبوا العلم ولو في الصين”، وقد ابتلينا بمن يزدرون الإبداع في المعرفة، فهم يقتاتون على الرمم، ويريدون سَوق الناس سوقاً إلى حظائر الهشيم الذي تذروه الرياح، وهم يحرمون إعمال العقل وتعلّم الإنسان عن طريق التجربة والخطأ، وصولاً إلى الصحيح من الموازين التي يستقيم معها العيش، ويريدون منا جميعاً أن نكون أفئدة فارغة وعقولاً مغلقة ونفوساً مأزومة مريضة وإرادات مأمورة خاضعة تتلقى الإجابات وتمتنع من الأسئلة، وقد تحدثنا عن الهيئة العامة للكتاب، فبهذا الأفق هي مثل اليد الواحدة لا تصفّق، ومن الظلم أن نخاطب الدكتور (فارس السقاف) وكأنه المسؤول عن هذا العماء الذي يرين على العقول، لأنه لو طبع ألف كتاب والجمهور لا يقرأ، وإذا قرأ لا يعي، وإذا وعي لا يعمل بوعيه، فإن ذلك لن يقدمنا نحو المطلوب خطوة واحدة، أما إذا عملت النخبة الدائخة من شظف      العيش على إشعال شرارة المعرفة في عقول ونفوس الناشئة فإن كتاباً كاشفاً جزئياً يسمّي الأخطاء والإنحرافات بأسمائها ويترك لها الحلول والمسارات يمكنه أن يشعل ثورة معرفية ستتفاعل كالبراكين لتبدّل وجه الأرض.

وتاريخ الكلمة والكتاب يؤكد هذا الاستنتاج، فما من تحوّل في تاريخ الإنسانية إلا كانت المعرفة الجديدة مفتاحه، انقشت على حجر أم رقمت في جلد أم كتبت على الورق أو سرت في فضاء الله الواسع، كما هو الحال الآن في الفضائيات التي لم تشكل بلغتنا (أوركسترا)، لأن العزف النشاز هو الحاكم في أمة متعددة الأهواء تقول ما لا تفعل، وتفعل ما تخجل من قوله.

ووفقاً للإحصائيات الصادرة عن منظمة (اليونسكو) بخصوص النشر والترجمة في السنوات الخمس الأخيرة من القرن العشرين، كما وردت في كتاب (استراتيجيات العلوم والتعليم في إسرائيل والوطن العربي) للباحث (عبدالحسين الحُسيني) فإن الإسرائيلي يقرأ ما معدّله 11 كتاباً في العام، بينما يقرأ كل ألف عربي بمعدّل كتاب واحد للفترة نفسها، قارن عدد السكّان لتبصر عمق الفجيعة، ويباع في اسرائيل حوالي 36 مليون كتاب سنوياً منها 15 مليون كتاب مدرسي، أليست النسبة والتناسب وفقاً للرياضيين متناغمة في كل ميدان {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}

وبعيداً عن اسرائيل، التي نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم حين يرد اسمها، لكننا نعجز عن فعل الشيطان الملعون الذي يتعرّف على كل خلية من خلايا عدوّه ليعرف نقاط الضعف والقوّة، فلننظر إلى إسبانيا وريثة الأندلس، الذي عرف أزهى حضارة عربية وأكثرها عناية بالكاتب والكتاب، والذي كانت جامعاته أساس الجامعات الأوربية التي صنعت الحضارة الحديثة، فإسبانيا تترجم سنوياً 920 كتاباً لكل مليون نسمة، بينما الوطن العربي من الماء إلى الماء يترجم أقل من كتاب لكل مليون نسمة، ومن الأفضل أن نصمت عما يصرفه العرب على البحث العلمي مقارنة بالعالم، حتى لا نردد مع الشاعر:

وجف الناس حتى لو بكينا : تعذّر ما تبل به العُيون

فما تندى لممدوح بنانٌ : ولا يندى لمهجوٍّ جبين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s