فعلها «جيتس»…

قليلون جدَّاً من الناس مَنْ يعرفون كيف يتوقَّفوا ومتى؟ يتوقَّفون عن ماذا؟ عن عادةٍ تحوَّلت من مُتعةٍ مُفترضةٍ إلى مرضٍ مُحقَّق، عن عملٍ تحقَّقت فيه إنجازاتٌ مرموقةٌ ثُمَّ بدأت الخسائر تتوالى عن… وعن… وعن…، فوتيرة الحياة لا تسمح بطبيعتها، بالاستمرارية المطلقة على النحو الذي نُحبّ.

لاعب الكُرة الماهر تخونه قدماه ذات يوم، فيرتبك التسديد كأنَّما تقولان له : «آن أن تتوقَّف»، وقد رأيتُ شخصياً «صالح سليم»، أحد ألمع نُجوم الكُرة المصرية، وهُو يتعثَّر كلاعبٍ مُبتدئٍ حين عجز عن اتِّخاذ قرار التوقُّف ليحتفظ بذلك الألق الذي احتفظ به «بيليه»، الذي احترم العُمر وقوانين الحياة.

وأكثرنا تابعوا الرحلة التعيسة لـ «مارادونا»، الذي تعلَّق بالثُّريَّا ورفض الاعتراف بقوانين الصحَّة والمرض ودمار الإدمان، فكان أن أصبح «مثل النعامة لا طير ولا جمل».

رأيتُ لاعبنا العظيم «علي مُحسن المريسي» في آخر مُباراةٍ دوليةٍ له في مصر، وهُو يبحث عن نسمة هواء لرئتيه، وكان واضحاً أنَّه يُودِّع، لكن دُون قناعة، وذلك كوداع «ابن زُريق البغدادي» :

«ودَّعته وبُودِّي لو يُودِّعني

صفو الحياة وأنَّي لا أُودِّعهُ»

نُجوم السينما وهُم كالأطفال، يعيشون على الإعجاب في عُيون الناس، ومع الأسف أنَّ أكثرهم لا يعرفون متى يتوقَّفون، أو – بالأصحِّ – يتحوَّلون، ففتى الشاشة وعذراءها لهم أعمارٌ مثل الزُّهور، تعيش يوماً أو بعض يوم، وليسوا كشجر الأرز أو السنديان.

الإصرار على الاستمرار الخاسر يعكس قدراً كبيراً من الأنانية والحُبِّ المرضي للذات، حتَّى ربّ الأُسرة ينبغي أن يعرف متى يتوقَّف كقائدٍ ميدانيٍّ للأجيال، فيتقاعد ويُحوِّل القوامة إلى صداقةٍ مع الأبناء، بل ويتنازل عن المسؤوليات واحدةً إثر أخرى، فسيأتي عليه يومٌ يحتاج فيه إلى رعايةٍ مثل تلك التي كان يسبغها على الأطفال.

نعم، طفلٌ كبيرٌ ممنوعٌ عليه الشخط والنخط وإصدار الأوامر وادِّعاء الإحاطة بكُلِّ شيء، ذاك زمانٌ مضى وانقضى، والصُّلح خير في ما بين الأزمنة المتفاوتة.

عملتُ في فترةٍ من حياتي مع صحفيٍّ له تاريخٌ احترافيٌّ مُشرِّف، لم يُسعفه في معرفة آلية الانحدار عقب الصُّعود، وبدلاً من مُساعدة نفسه بإفساح المجال لي ولغيري لنكون عوناً له، أخذ «يُكوِّش» على العمل ويُجهد نفسه وهُو يصرف مُعظم وقته في مدح الذات وقدح الآخرين، حتَّى ضاقت به الهيئة، فجرى «ركْنَه» جانباً، فلم يحتمل، ذلك أنَّه لم يكُن في قرارة نفسه يعترف بقوانين الحياة، فسقط ضحيَّة نوبةٍ قلبية، وكُنتُ أزوره بين الحين والآخر، فيقول لي : «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، وحتماً ستصل إلى غيرك، لأنَّها لن تدوم لك»، لقد تصالح أخيراً مع النفس، واكتشف أنَّ الحياة يُمكن أن تُعاش على مائة وجهٍ من وجوهها الألف.

«بيل جيتس»، مُؤسِّس شركة «مايكروسوفت» الأمريكية العملاقة، أكبر مُطوِّرٍ لبرمجيات الكمبيوتر الشخصي في العالم، ورئيس مجلس إدارتها، فعلها وهُو في ذروة النجاح، فقد تخلَّى طوعياً عن أيِّ منصبٍ تنفيذيٍّ في الشركة، مُكتفياً بالرئاسة الشرفية والعمل لمُدَّة يومٍ واحدٍ أسبوعياً فيها.

يُمكن لقرار «جيتس» أن يُلهم كثيرين حول العالم ممَّن انتهت صلاحياتهم فعلياً، لكنَّهم يرفضون الاعتراف بواقع الحال، وإذا نظرتَ – أيُّها القارئ العزيز – حواليك، فستجد كثيرين تتمنَّى أن تضع يدكَ على كتف الواحد منهم وأنتَ تقول له : «كفى، اخلد إلى الراحة وَدَعْ غيركَ يُكمل».

في بُلداننا التعيسة يندر أن تجد مَنْ يعترف بمحدودية الإنسان، فالكُلُّ «عنترة» في الشجاعة، و«عمرو بن العاص» في الدهاء، والمجنون في الحُبّ، و«عمرو بن معدي كرب» في الفُروسية، علماً أنَّ كُلَّ هؤلاء مرُّوا بمحنة العُمر، لكنَّنا لا نرى سوى ما نرغب فيه على طريقة :

«ونحنُ أُناسٌ لا توسُّط بيننا

لنا الصدر دُون العالمين أو القبرُ»

يا له من خيارٍ تعيس.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s