وفوق كل ذي علم عليم

لعل المتنبي كان ناقماً نفسياً، يتحرق لهجاء من يحرّفون حقائق الحياة، ويلبسون المبنى غير معناه، حين أطلق بيته الشهر
ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ=يجد مراً به الماء الزلالا
ولكن أبا الطيب لم يبتعد عن الحقيقة الطيبة الملموسة والمدعّمة بالتجارب، فالمرض يشكّل المريض ويكيّفه شكلاً ومضموناً ولو إلى حين، حتى إذا ما منّ الله تعالى بالشفاء “عادت ريمة لعادتها القديمة” مع الأسف.
ولذلك يقال إن الإنتكاس المرضي قد يكون أخطر من المرض في أصله، لأن جسد الإنسان قد يتمكن في فترة ما بين العلاج والإنتكاس من تخليق مضادات للعقاقير تلغي مفعولها أو تمسحه، وإلى أن يدرك الطبيب أن دواءه لا يؤتي أكله، ربما يكون الوقت قد فات، وحمل جلد المريض إلى المدبغة، “وإذا فات الفوت لا ينفع الصوت” كما يقول المثل الناعي للفرص الضائعة، ومن هنا فإن عل المرضى إيلاء فترة النقاهة أهميتها الجوهرية من حيث الراحة والإنتظام في الدواء والتزام تعليمات الغذاء، يعني “إعقلها وتوكل”. وعودة إلى بيت أبي الطيب، يمكن النظر إلى معناه البليغ كدعوة للإصغاء الرهيل إلى نبض الجسد ورسائله وردود أفعاله، ولكم كان رفيقي العتيد الذي قد يسكت دهراً ولكنه لا ينطق كفراً صادقاً حين كان يأخذني إلى مطعم من المطاعم فيسألني عما أريد، فأقول له: “إطلب على ذوقك”، فيرد: “يا أخي إسأل جسدك ونفسك التي أرجو أن لا تكون أمارة بالسوء، وسيقولن لك ما يريدانه”، أقول له ضاحكاً: “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”، فيدرك على الفور أنه أصاب وتراً حساساً في نفسي، فيفيض في النصح، ولم أر مثل رفيقي (الديدبان) من يهتم بأنواع الأكل، ويتحفز إلى تجريب كل جديد، وقد يستغرق في قراءة القائمة (المنيو) والسؤال عن مكونات الوجبات الجديدة عليه ساعة أو أكثر هي بالنسبة لي كافية للطلب والأكل ونوم القيلولة، لذلك فإنني غالباً ما أغيظه فأغمض عيني وأضع إصبعي على أي طبق رئيسي عشوائياً وأطلبه، وغالباً ما أميل إلى طلب وجبة اليوم لسرعة تقديمها، ولأنني أعتقد أنهم يعتنون بها، ذلك أنها مرتبطة بشمعة الطباخ (الشيف)، علماً أن (الشيف) في مطبخه يقارن نفسه بالجنرالات العظام على البوارج القيادية البحرية، وفي الحياة متسع للجميع وطموحاتهم، وقد عانيت من الجنرال بواب المستشفى ما عانيت، فهو يدقق في هويتي كلما قفلت قارعاً بابه، ويترك البرد يجلد فيّ قبل أن يتفضل حرته بالضغط على زر الفتح، ولا ينسى النظر إليّ شزراً وأنا أمر بجانب كشكه. على كل حال فإن أمن المنشآت في هذه البلاد هو في مقدمة الأهداف، ولا تساهل فيه مثل بعض البلدان التي تتخذ أمور حياتها لعباً ولهواً، وهذا فيه من الطمأنينة ما فيه، فقد أصبحت الدنيا غابة بلا أسوار، ولا يدري الإنسان من أين تهبط على رأسه المنغصات والمخاطر.
قالت لي الدكتورة (عفيف) وهي ألمانية متزوجة من فلسطيني وقد أخذت اسم عائلته، وتتكلم العربية بطريقة الخواجات المحببة: “لا تهمل الغذاء كل الإهمال مهما كان فمك مراً، فالسيارة لا تمشي بدون بنزين، وطاقة الجسد لا تتحقق بدون الغذاء، شكراً يا دكتورة (عفيف)، وحين رأني الديدبان التهم الأكل سأني عن مشورة الجسد فقلت له “وفوق كل ذي علمٍ عليم” يا جنرال المطابخ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s