معنويات

راقب أحد العلماء الكبار من النفر القليل الذين ينظرون إلى أن الكون والحياة والأحياء تنظمها قوانين متشابهة، راقب سلوك الحيوانات في حال المرض، فوجد أنها تمتنع عن

الطعام، ثم تبحث عن مكان حَسَنِ التهوية لتستريح فيه بعيداً عن الآخرين، وهذا ينطبق على الإنسان مع الفارق، فبدلاً من الامتناع عن الطعام كلّياً، يُستعاض عن ذلك بقليل من الطعام الصحي البعيد عن الدهون والمدعّم بالخضروات النيّئة على وجه الخصوص، ونصف المطبوخة على البخار عموماً، من أجل الحصول على قليل من الطاقة الضرورية لإشعال مصابيح الجسد العاملة، كما لا بدّ من المكان حسن التهوية، بعيداً عن الدخان والمدخّنين الذين ينفثون الضرر حيثما حلّوا أو ارتحلوا، ولا بدّ من الراحة، لأن هناك من الزوار من يتخذون من غرف المرضى أماكن للتسلية والنقاش، مع التظاهر بأن في جلبتهم وزعيقهم ونعيقهم الإعزاز كلّ الإعزاز للمريض، وهم لا يعلمون أنهم يزيدونه مرضاً على مرض، “ورحم الله أمرءً زار وخفف”.

وأذكر أنني كنت شاهداً على مأساة مريض ليس في ألمانيا، كان الزوّار يتدفقون عليه من الصباح الباكر حتى منتصف الليل، فيما المسكين – الذي لا حول له ولا قوة – في شبه غيبوبة، وجسده مشدود إلى مختلف الأجهزة، والإخوان اتخذوا من غرفته التي فاضت عن آخرها بأجسادهم المعروقة، ومن الممر المجاور ديوانية للسوالف الفارغة، حتى أنهم ينسون أنهم في زيارة مريض، فيأخذون في الضحك والخوض في سير الغائبين، ومع ذلك يرتجون المثوبة والأجر، وهيهات، وبعكس هؤلاء قلة من الأوادم الذين يعرفون أصول زيارة المرضى.

وأتذكر أن الأخوين (عبدالرحمن هايل سعيد) وأخيه (عبدالجبار) جاءا من دبي خصيصاً لزيارتي في (مستشفى خليفة) بـ (أبوظبي) فلما وجداني نائماً رفضا إيقاظي، رغم إلحاح أولادي وإبلغاهم التحيات إليّ عندما أصحو، وقد حمدت لهما هذا الصنيع الراقي، وفي المرة الثانية خابرني (عبدالجبار)، فلم يظهر رقمة على شاشة التليفون، فلما سألته قال لي: “أتحدث من (جاكرتا) في (إندونيسيا) وكان الوقت ضحى، وفي أول المساء اتصل بي من (دبي) سائلاً عن المستشفى الذي أنام فيه، فقلت “في (مستشفى المفرق) بـ(أبوظبي)” فقال: “سنأتي لزيارتك” رجوته أن لا يفعل بعد الرحلة الطويلة من أقصى الشرق، فصمم، وفعلاً جاء هو و(عبدالرحمن) بعد ساعتين، هي مسافة الطريق بين دبي وأبوظبي، بصحبة الحاج (حسين ناصر بن ذيبان) الذي كان بمثابة الدليل لهما، وقد مكثا حوالي عشر دقائق ليس إلاّ، وذلك لارتباطهما بالطائرة المسافرة إلى (القاهرة) من (دبي)، ولأنهما من جماعة “رحم الله من زار وخفف”.

ما علينا… فبعد الفرج الذي حدّثتكم عنه بالأمس بالذهاب إلى قلب برلين، شعرت أن أنسام العافية بدأت تهبّ، فقد أكلت من الخُضروات وعصير فواكه، واستنشقت نسيماً منعشاً معطراً بالبرودة، وكان صاحبي واجماً ساهماً لا ينبس ببنت شفة، فقد أصيب ذلك اليوم بـ “الهوم ويك”، أي الحنين إلى الوطن والأهل، وصار عليّ أن أمرضه بالكلام بدلاً من أن يُمرّضني أو يمرضني، سيّان، فكلّه عند العرب صابون، وحين عُدت احتفلت المّمرّضات بهذا الإنجاز العظيم، وهو الخروج من سكونية الغرفة إلى ضجّة الحياة، وللمعلومية فإن الأطباء والممرضات يعتبرون تحسّن المريض أعظم جائرة لجهودهم، وقد جاء عظيم الأطباء البروفيسون (هسلر) في اليوم الثاني لتهنئتي فارتفعت معنوياتي إلى السماء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s