الهرّ علي والألمانية

في البدء كانت الرغبة، وكان الشغف في العودة إلى الحياة الطبيعية أن تسير كسائر خلق الله، دون أن تحتاج إلى من يسندك، وأن تستنشق الأوكسجين دون أن تنقطع أنفاسك كأولئك المصابين بالربو، وأن تذهب إلى مطعم فتتناول طعامك بعيداً عن السرير الأبيض، وتنتظر تلك الغابة التي كانت معسكراً إنجليزياً عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولا ترزح تحت آثار الإحتلال، فهي مغبرّة ليس فيها من العمران إلا ما هو ضروري وسهل الإزالة، وكان صاحبي على حق حين قال إن كل تقدم نحو الأمام هو بمثابة ولادة من رحم المجهول الذي كان، ورغم أن الإنسان يمتلك الطاقة العظيمة للتكيّف مع مستجدات الحياة وعوامل تقلباتها، إلا أنه يظل مشدوداً بالذاكرة إلى ما خسر… هو يتطلع إلى استعادة جزء من عمره ضاع، ولو أعطى كل عمره سدى، وتلك قسمة ضيزى، لا تخمدها سوى قوة الإيمان والبحث عن لاقوى الإحتياطية التبادلية في ينابيع الروح والجسد وعلاقاتهما المتغيرة والمتسايرة من عمر إلى عمر ومن محنة غلى محنة، فالإنسان لا يمكنه أن يظل يبكي اللبن المسكوب مخاطباً الرمال أن تعيده، فما ابتلعته الأرض يصبح ملكاً لها، بانتظار ما تبقى.
لكل ذلك ولغيره من العوامل النفسية الضاغطة تلفعت بملابسي الشتوية الثقيلة وأخذت أدب بجانب رفيقي الذي استبطأ حركتي بعد فترة من المسايرة، وهو الذي اعتاد المشي الخبب، فأخذ يصهل كحصان السباق، يقطع مائة متر عدواً ثم يعود إليّ لعله يستحثني، فلا أعيره غير الاذن الصماء، لأن أنفاسي تكاد تتقطع من الحبو فكيف بالعدو، وحين يقترب مني عائداً أدير وجهي إلى الجانب الآخر وأنا أغني كي أغيظه، فيعدو مرة ثانية أماماً وخلفاً، حتى وصلنا إلى محطة باصات في طريقنا إلى ساحة الإسكندر بلانس مركز برلين التاريخي، حيث بوابة براندن بورج بخيولها الجامحة التي تعتليها، أو حوافرها ونواصيها كأنما تخترق الأفق، وكنت قد زرتها عام 1972، حيث حضرت احتفالات الثقافة العمالية التي كانت رائجة في ذلك الزمن الذي اندثر، وشتان بين زيارة وزيارة، ففي ذلك الزمن المغمس بالأحلام كانت الساحة تنبض كالقلب الحي، وبرج برلين الشهير يطل على برلين الغربية المتبرجة كغانية تحت الأضواء الملونة والأبراج العالية التي بدن لي الآن كأكواخ، ربما لأنني قادم من الإمارات حيث أعلى برج في العالم ينتفض كعملاق أسطوري من قلب رمال الصحراء، تحف به غابات من العمران المتطاول يتحدى مدن أمريكا الشهيرة فكيف ببرلين ومحيطها.
المهم مشينا الهوينى على أنغام الصحة والمرض، مع قفزات حصانية لصاحبي الذي قلت له: “آن الأوان لارتياد مطعم، ليس من أجل الأكل وإنما من أجل الراحة”، فكان ذلك… وقد استعرض الرفيق علي صالح محمد أمامي وأمام نفسه في الأساس قدراته اللغوية الألمانية، ولكن من متابعتي لردود فعل الجرسون أدركت أن واحدة تصيب وأخرى تخيب، ومع ذلك قلت: “حيا الله، إن شمعة خير من الظلام”، طبعاً بيني وبين نفسي، وحين سألني: “كيف تشوف أخوك؟”، قلت: “لا شيء يسرّ الخاطر ويبري المرض أكثر من مراقبتك وأنت ترطن بالألماني”. برافو يا هرّ علي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s