من مشنقة إلى مشنقة فرج

طالماً أنت مع أطبائك وممرضيك، فأنت في حرز حريز، تتناول الأدوية في مواعيدها، وإن غفلوا قليلاً فحوالي تلك المواعيد المقررة، أما الأكل فتسير على نظام الطبيعة، تفطر فيما

zيفترض أنه شروق الشمس في بلاد لا تعرف الشمس في الشتاء إلا بمقدار ما يعرف الجائعون في البلدان النامية اللحم، ويقال أنه قريباً جداً ستعز الأرزاق من القمح والأرز لتنافس اللحم في الندرة، وأما العَشاء فمع أذان المغرب في بلاد لا تعرف الأذان، وإنما هي أجراس الكنائس التي لا تسمع لها صليلاً إلا إذا كنت بجانب الكنيسة في عراء الشارع، فكواتم الأصوات في الغرف المصفحة بالنوافذ المزدوجة تحيل الصمت إلى ضجيج في أذنيك – إن كنت مرهف السمع أو شديد الوسواس – وهم يتحسّبون لمفاجآت الجسد لمرضى السكري، فيتركون لهم من الغذاء الإحتياطي ما يرفع مستوى السكر في الدم إذا هبط المعدّل بعد أنصاف الليالي، حيث من علامات ذلك الرجفة والتعرف الغزير وخفقان القلب العليل، ذلك أنهم يستخدمون لمرضاهم (الأونسنيل) السريع لتهبط المستوى، فإذا ما عاودت المستشفى كتبوا (الأنسولين المخلوط) (ميكسر) سبعون بالمائة بطيء السريان، وثلاثون بالمئة سريعها، والقارئ المتمتع بالشباب المخضل لن يفهم شيئاً من هذا الكلام، وبما أن لكل أجلٍ كتاب فإن المعرفة لا غنى عنها لكل موعود، فما من بيت يخلو من صرعى السكري، أكرر: “ما دمت في حماهم فأنت في حرزٍ حريز”، وتبدأ المشاكل حين تغادره “وتعود ريمة إلى عادتها القديمة”، فتختل مواعيد الدوام وأويقات الأكل والشرب، كما تتزايد عمليات الخروج على الضوابط، فـ “كأننا يا يدر لا رحنا ولا جينا”، ماعلينا… فالمرء يضع نفسه لا في المقام والرفعة فحسب، وإنما في الإلتزام بما يُصلحه، لأنه لا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور. قديماً قيل أن النزول من مشنقة والذهاب إلى أخرى هو نوع من الفرج، فكذلك في حال المرض فإن الخروج من حال إلى حال مدعاة للفرح، وهذا ما دأب رفيقي (علي صالح) على تذكيري به قائلاً: “أين كنا وأين أصبحنا؟ إنك لم تكن تستطيع النزول من السرير حتى لقضاء الحاجة، وأنت الآن تتحرك ولو في إطار الغرفة، غداً سوف تسر في الممر يرافقك كرسي متحرّك في بادئ الأمر، ثم تستوي على قدميك خلقاً جديداً”. وطبعاً فإن صديقي ورفيقي – الذي تحمّل عصبيتي التي بدت جزءاً من المرض لا مهرب منه – قد أخذ هو الآخر يوسّع معرفته بأحوال المرض والمرضى، وطرق العناية والرعاية رغم أنه – ما شاء الله – في صلابة جذع شجرة دهرية، إذا مشى تهتز الأرض تحت قدميه “اللهم لا حسد”، وكنت كلما أطل عليّ بمعطفه الثقيل – الذي أتضح لي مؤخراً أنه معطفي الذي لم استخدمه بحكم الإقامة في الغرفة الدافئة – أقول له من محفوظاتي العتيقة:
أخاك أخاك إن من لا أخا له: كساع إلى الهيجا بغير السلاح

فيلوي عطفه فخوراً، فأعقّب: “بس يا صاحبي الله يزيدك قوّة ومناعة، طلبي الوحيد هو أن تكف عن أكل الثوم،  الألمان لا يطيقون رائحته رغم أن الشرقيين يقولون عنه أنه صيدلية كاملة”، وهذا ما يؤمن به الرفيق (علي).

على كل حال “هبّي دبّي”، ومن مشنقة إلى مشنقة، إلى ممر وصولاً إل السوبرماركت والكافتيريا في الطابق الأرضي للمستشفى، حتى وجدت نفسي أتعكز في الشارع، فإلى محطة الباص قاصداً ساحة (الكسندر بلاز) أشهر ساحات (برلين)، حيث كان الفوهرر يمارس سحره على مستمعيه، وذلك حديثٌ آخر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s