سنة الحياة

سنة الحياة

التماهي مع المرض، أو بالأصح التواطؤ مع المرض ومن قِبَل المريض نفسه وضد نفسه – ويا للأسف – ظاهرة معروفة، ربما نجد لها مبررات نفسية مثل الخوف الغريزي من المجهول، كأن يكتشف الإنسان أن عضواً من أعضائه مصاب بالسرطان، أو أن كبده مصاب بالتليّف، أو أن كليتيه أصبحتا عاجزتين عن تنقية الدم، أو أن معدته متقرحة فهي لا تسيغ طعاماً أو شراباً، ولذلك يلجأ إلى إنكار حقيقة مرضه وإعادة ما يشعر به إلى أسباب مؤقتة مثل تناوله لنوع معين من الأكل، أو إصابته بالإرهاق جرّاء ضغوط العمل، أو أن هناك من نغّض عليه حياته من رؤساء عمل متسلطين ناقمين، أو أن (المدام) نقّاقة وطلباتها لا تنتهي.

ومع الإدراك أن هناك علاقة لا تُنكر بين عوامل العيش المليئة بالسلبيات وبين أمراض الجسد المكلف عضوياً ونفسياً بتلقي عواصف (الخماسين) الكاوية من الجهات الأربع لعصرنا وناسه، إلا أن المحصلة – إذا ما استحكم المرض في الجسد – تصبح أمراً آخر يقتضي الإعتراف والذهاب إلى المستشفى والخضوع إلى الفحوصات، ومن ثم الدخول في منهج العلاج. وعلى الرغم من أننا نتعلل دائماً بالقول “كل تأخير فيه خير” إلا أن هذا القول في حال المرض هو وصفة من السمّ الزعاف، وغالباً ما يضرب الأطباء ذوو الحكمة يداً بيد وهم يقولون لمريضهم المشدوه: “لقد تأخرت كثيراً”، ذلك أن المرض الذي يقبل تناوم مريضه وسكوته عنه وخضوعه التدريجي لما يبثه فيه من وهن واكتئاب إلى حين لا يلبث أن يتمرّد لأن جبلّته وطبعه احتلال القلعة بكاملها احتلالاً مباشراً وهي هنا جسد الإنسان الذي كان محصناً فأصبح مباحاً بلا أسوار ولا أبواب.

وفي كثير من هذه الحالات المتفاقمة يصاب المريض بالإنهيار المفاجئ عقب التجاهل والتحامل على نفسه فيما سبق، فيتردد على أطباء كثيرين ربما أوردوه موارد التهلكة بكثرة اجتهاداتهم وقراءاتهم، فمنهم من يقرأ بالعربي، ومن يقرأ بالهيروغليفي، فيكون صاحبنا المفجوع كمن سعى إلى حتفه بظلفه بعد أن أشرقت شمس الحق وبان المخبّأ، ولأنه في الأخير لا يصح إلى الصحيح والخبر اليقين، كذلك الذي دهم المتنبي فلم يصدقه ولكن تواتر المخبرين لم يدع له أملاً في التكذيب:

طوى (الجزيرة) حتى جاءني خبر : فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً : شرقت بالدمع حتى كادي يشرق بي

وهنا ينبغي علينا تأمل أمثلة الحياة الصحيحة مثل القول “ومعظم النار من مستصغر الشرر”، ذلك أن الشرر يمكن إطفاؤه بقارورة ماء أو بخرقة في اليد العارية، أما إذا اشتعل الحريق فلا يدري أحد أين ينتهي به المطاف، وكذلك هو المرض قد يعالج بالحمية أو بالرياضة أو بأدوية بسيطة غير مركبة، أما إذا استفحل فإنه لا يهديك سوى الأرض المحروقة.

في لحظة صفو تواردت على قلمي هذه الخواطر فقلت: “يا ليت جميع الناس ينبذون التواطؤ مع المرض، ولا يشعرون بأي عار لأنهم مرضوا، فتلك سنة الحياة”.

{وإن منكم إلا واردها}.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s