الطريق إلى المستشفى!!

أخيراً.. أفلحنا في الإقلاع من مطار فرانكفورت الكثيف الحركة إلى مطار برلين الذي بدأ كقرية هادئة بالقرب من مدينة ضاجة بالقياس، ولم يكن هناك عناء ولا تفتيش فالرحلة تعتبر داخلية ولم يترك أهل فرانكفورت لأهل برلين شيئا وكفى الله المؤمنين شر القتال، وتعمل ألمانيا الآن لإنشاء مطار يليق بالعاصمة التي لم تتطاول في البنيان حتى اللحظة، فأهل تلك البلاد ليسوا في عجلة من أمرهم حيث كل إنجاز بأوان، ولكنهم إذا أسسوا أحكموا، ويبدو أن الضائقة المالية لا تزال آخذة بخناق برلين التي كلفتها الوحدة الألمانية دم قلبها، فهي غارقة في الديون، ما تأخذه باليمين، تسدده باليسار ومع ذلك هي لا تشكو، ربما لأن الشكوى لغير الله مذلة، وربما لأن الثقة بالنفس هي مفتاح النجاح والفلاح، خرجت ورفيقي مع دفء المطار إلى زمهرير الشتاء البرليني في طريقنا إلى المستشفى، ولم يلفت نظري شيئ يمكن تسجيله بعدسة القلب، اللهم إلا ذلك الانضباط الحديدي في التزام قوانين السير والمرور، وتلك الكآبة التي تغشى المباني العتيقة وتسيح حتى فوق القنوات المائية متلفعة بالضباب الحامل لدخان المصانع وعوادم السيارات وسخائم الحضارة الحديثة التي روعت الطبيعة ومزقت الأوزون وأدت بالنتيجة إلى انقراض مئات آلاف الكائنات الحية الأمر الذي اقتضى ردود فعل الجسد الحي لكوكبنا الذي تحكمه موازين دقيقة فرمى البشرية بالعواصف والفيضانات والزلازل المدمرة، وليست تلك سوى البدايات لأن الآتي أعظم طالما الرشد لم يلامس ضمير المتجاوزين للخطوط الحمراء من دول صناعية وشركات رأسمالية ومغامرين في سبيل الربح يسبحون في مستنقع العولمة وشعارهم: أغدق عليّ اليوم حتى لو حرمتني غداً.. وهيهات أن يشبعوا لا اليوم ولا الغد لأنهم مثل جهنم والعياذ بالله، كلما ألقمت تقول: هل من مزيد؟

ما علينا.. كانت أضواء الطرقات تختنق كأنها صناعة العتمة وليست صناعة النور، ذلك أنها تعاني كالطبيعة من جور الإنسان وفقره الأخلاقي وإسرافه في إضاعة الزمن لعل الأسود ينقلب إلى أبيض دون أن يكلف نفسه عناء القيام بما ينبغي عليه القيام به دون إبطاء، طبعاً هذا لا يمنع من القول أن فريقا نابهاً من البشر يدرك المخاطر البيئىة ويسعى للتوعية كما يتحرك للعمل، ولكن هؤلاء على نبل نواياهم ووضوح مقاصدهم لا يملكون اليد العليا فهم يناضلون وحوشا ضارية على امتداد الكرة الأرضية حيث التصحر يطاول الغابات، الرئات التي تتنفس بها الأرض. إن نظرة عجلى إلى الأشجار المعمرة في شوارع برلين وقد تغضنت واسودت سيقانها التي تنسج اللون الأخضر تكشف عن قوة الحياة التي تتصدى للفناء دون أن تفكر في الانسحاب أو رفع الراية البيضاء علامة الاستسلام، وكما يقال فإن الأشجار تموت واقفة، ربما داهمتني هذه المشاعر لأنني في وضعي الشخصي أنجذب إلى ما يشهني، فلم أكن على ما يرام، وحين وصلت إلى بوابة المستشفى أرتجف من البرد والحمى خطر في ذهني أنني أتحدث عن نفسي.. ربما.. من يدريني؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s