جود مورجنج هر.

نواصل مع رحلة الساعات الأربع والعشرين بين أبو ظبي وبرلين التي قضينا منها 8 ساعات في قبضة جيوش الجنرال ضباب في مطار أبو ظبي الدولي وقد استبشرنا خيراً حين أعلن الكابتن بعد الاعتذارات والتأسفات أنه سيعود الى البوابة 5 التي انطلقنا منها وقد ظننا، وبعض الظن إثم، أننا سنعود الى الحضن الرؤوم لمنطقة السوق الحرة حيث رأيت العشرات من مسلمي شبه القارة الهندية ينامون على أرضية مصلى قاعة المغادرين، فكما تعلمون أنه حين تتأخر رحلة ما في مكان ما بسبب ما فإن الجملة العصبية للمطارات تدق الأجراس في العديد من مناطق العالم المرتبطة بتلك الرحلة سواء مباشرة أو بالواسطة التي يعمل في إطارها نظام (الترانزيت) الدولي، وبذلك يتيتم مئات الناس لساعات مضافة في مطارات العبور، وبما أنني ورفيقي زوربا قد نسينا لذيذ المنام على أرضية شبه صلبة وبلا مخدة أو غطاء فقد كنا نائمين نفسيا باغفاءة، في وضع الجلوس على أحد الكراسي المتوفرة بكثرة وأن عصى النوم كما هو طبع السفر فبسهرة على إحدى الكافتيريات المنتشرة وفيها كل ما لذ وطاب، وقد تبين أن تلك الأحلام كانت شبيهة بأحلام اليقظة لأن قوانين المطارات إذا ما وضع لك ختم المغادرة لا تسمح لك بالرجوع ولو كنت، فلان الفلاني، الذي عبر عنه الشاعر الأمير أحمد فضل القمندان الذي طوقت شهرته وعشقياته جزيرة العرب بالقول «غاني نهبني وناقدني فلان الفلاني».

ولم يبق سوى أمل واحد وهو أن يتكرم المضيفون الألمان بتقديم وجبة العشاء المنتظرة فنحن على بطوننا الخمص منذ الغداء، وأدويتنا في جيوبنا تحتاج إلى مهاد لكي لا تخترق معداتنا الخالية، بعد ساعة من الانتظار مضافة إلى الساعتين اللتين كنا فيهما على مدرج الإقلاع، وقد جرى اطفاء الأنوار، عم الهدوء، كأن على رؤوس المسافرين الطير، فأخذ الشك يتسرب إلى نفسي أن الجماعة في المطبخ الداخلي قد قرروا أننا معشر الركاب لا نستحق العشاء ربما لأننا جلبنا الضباب أو أن الوقت الضائع ليس جزءاً من الرحلة وقد قمت أتسحّب على رجلي الموجوعتين فرأيت بعض مضيفات «الإكونومي» يغطين في نوم عميق، فهن يعملن بقاعدتي الجيوش في ساحة المعركة،إذا وجدت أكلاً فكل حتى التخمة ولو كنت شبعانا فقد لا تجد أكلا بعد ذلك، وإذا أتيحت لك فرصة للنوم فنم مثل القتلى فقد لا تجد فرصة أخرى أثناء المعركة، خلاصة الأمر أن مضيفاتنا طبقن إحدى القاعدتين وهي النوم أما الأخرى «الأكل» فقد تناسينها بالنسبة لنا، وكان الله بالسر عليما، لأن بإمكانهن في أي وقت مداعبة مخزون الطائرة، تأملت الركاب الذين استسلموا للوضع فلم ينبس رجل أو امرأة وحتى الأطفال أحباب الله أضربوا عن البكاء واللغط، فمنذ 11 سبتمبر 1002م والركاب حول العالم كله لم تعد لهم حقوق داخل الطائرات ولم يعد الكلام مسموحا لهم إلا في حدود:«حاضر ياسيدي.. أمرك يا سيدي» وكلنا قرأنا في الصحف قصص الذين تجاوزوا الضبط والربط فأبسط عقاب هو الإنزال من الطائرة ورجل الواحد فوق رقبته، المهم أن رفيقي «زوربا اليماني» لم يتحمل الوضع، وأخذ يغلي كالمرجل ولكنه حائر في ما يفعل، ثم نهض دون أن يشاورني وقد بدأ يبربر بالألماني قبل أن يترك المقعد، فهو قد درس في ألمانيا قبل عشرين عاما وكان عنده شك في قدرته على التوصيل بتلك اللغة، ولأن الحاجة أم الاختراع، فقد تمكن من عصر ذاكرته حتى أخذت تمطر حين بدأ الحديث مع مضيف فشرح له أنه مرافق لمريض «الذي هو أنا» وأن حالتي ستسوء لأنني لم أتناول الدواء، كما أنني لا أستطيع النوم في زنزانة «الاكونومي» حيث لا يحق لي سوى ثني ركبتي مرة بعد أخرى تماما كما يثنى المنديل ليوضع في الجيب، وأنه يحمل الشركة المسؤولية عما يجري لي، وطبعاً مسألة تحمل المسؤولية تثير لدى الغربي الأرق بما يستتبعها من محاكمات وتعويضات، وقد استأذن المضيف لدقائق ذهب خلالها لإجراء المشاورات التي أخشى أن تكون قد شملت «المستشارية» في برلين «وين أودي وجهي منهم لو حصل ذلك» ثم عاد فأخذنا الى درجة رجال الأعمال، وقد عدل لي الكرسي الفخيم الى وضع النوم ثم غطاني ببطانية محترمة، فقال له زوربا المغتاظ لأنه لم يسأل به وكيف سيتناول الدواء؟ فذهب وأحضر أبرد ساندوتش لمسته في حياتي وكأسا من الماء، ثم التفت إلى زوربا وهو يقول: تغادرا المقعدين قبل أن تتحرك الطائرة الى البحرين، قلنا له: شكراً يا هر وجود مورجنج.. إلى الغد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s