الجنرال ضباب..!!

لم أتمكن من الكتابة ليوم أمس لأنني ورفيقي في الرحلة الألمانية كنا معلقين بين الأرض والسماء لمدة 42 ساعة تقريباً في ظروف لا تسمح بالكتابة، فالمرء آنئذ لا يفكر في ما يكتبه، ولكن في من يكتب عنه فبدلا من أن تكون رائياً متأملاً في الحالات العادية تصبح موضوعاً للتأمل وربما التفكه فشر البلية ما يضحك، أي أن الأدوار تتبدل، أحيانا بسبب الظروف وغالبا بسبب تقصيرنا لأننا قل أن نتعلم شيئا مما مر بنا إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس فنقول : كيف فات علينا الأمر الفلاني، وكيف لم نستحضر الخبرة التي عركتنا وعركناها في الموضوع العلاني،. و.. و..و.. مما لا يقدم ولا يؤحر فالفكرة التي تغيب ساعة المعركة لا معنى لها بعد أن تضع الحرب أوزارها.

قل يا سيدي بعد أن تحركنا إلى مطار أبو ظبي في الساعة التاسعة مساء في طريقنا إلى فرانكفورت ومنها إلى برلين ( تحويلة لم يكن لها ضرورة وهي من سوء التدبير، ليس إلا) أكملنا الاجراءات بيسر وبدا الأمر مبشراً ونحن نتجول في السوق الحرة التي تعرسنت ( أي أصبحت عروسا)، فهي تعج بالحركة والبضائع الأنيقة وتسبح في ألوان من الأضواء كأنها في ليلة عيد، ثم صعدنا إلى الطائر الميمون، على بركة الله، وكانت المفاجأة الاولى أن الطائرة ستذهب الى البحرين قبل التعريج على فرانكفورت، قلنا : ماشاء الله كان.. ساعة في الجو، وساعة في المطار، كل ذلك ونحن في ضيافة الالمان (فتّي رشّي).. لا.. هانت.. وكان «زوربا» رفيق الرحلة يتلمظ كالنمر الجائع، وأنا أتغافل عن موضوع البحرين، وكيف أن أحدا لم يخبرني عنه مسبقاً بل كيف أنني لم أقرأ وريقة الحجز الالكتروني – الله لا بارك فيه – وأنا الذي أقرأ مئات الصفحات كل يوم، أعرف أن الوريقة كلها رموز اصطلاحية، ولكن على الاقل كنت وقعت على كلمة البحرين كما وقعت على فرانكفورت وبرلين، وهل يخفى القمر..؟ قادتنا المضيفة (منتهية الصلاحية) عبر فخامتي الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال إلى الدرجة الاقتصادية، وهي منفى يشبه سيبيريا في الروايات الروسية، أفسح لي (زوربا) صاحبي كرسي النافذة، لا كرما كما أعتقدت، ولكن ليسهل على نفسه الحركة، وقد عانيت من هذا الكرسي معاناة أحتسبها في ميزان حسناتي، ولأن الشكوى لغير الله مذلة، طبعا أنا بحاجة الى أن أمد رجلي لأسباب لا تخفى على العارفين حتى لو كانت الرحلة ساعتين، فكيف وقد امتدت أربعاًً وعشرين ساعة، الله يسامح الذي كان السبب، فقد كان يبحث عن درجة رابعة ولكنه لم يجدها، وهو في بحثه الدائب عن الرخيص والأرخص والخصومات يظن أنه يخدمني ويخدم الجهة الراعية، ولذلك نقول: إنما الأعمال بالنيات، وقد كانت نيته إلى الله وليست إلى شيء آخر بارك الله فيه، و«ما تحرق النار إلا رجل واطيها»، تقرفصت على نفسي وأنا أتذكر الكتّاب الذين يصفون الزنزانات بأنها متر في متر، أما في الدرجة الثالثة فربع في ربع، وزاد الطين بلة أن الذي أمامي أنام كرسيه في حضني، وقد أخذت قدماي تتقدان بنار غير مسبوقة واكتشفت أن ذلك كان بسبب لبس جوارب ضاغطة، تعيق الدورة الدموية في القدم السكرية، إضافة إلى هذا البلاء النازل في الدرجة الاقتصادية، ألم أقل لكم أن «براقش» تجني دائماً على نفسها، فلو أنني دفعت فرق ما بين الدرجة الاقتصادية الذميمة والأولى الفخيمة لكنت في نعيم مقيم، وياليت، ولكن ليت عمرها ما عمرت بيت كما يقول فريد الأطرش رحمة الله عليه، جرت الطائرة (لوفتهانزا) على المدرج كالغزال وقلبي يجري معها وخلفها طربا، ثم توقفت فجأة، « خير إن شاء الله » وبعد نصف ساعة من انتظار الخبر اليقين أعلن الكابتن أن «الجنرال» ضباب هجم فأطبق بجيوشه على ما بين السماء والأرض، وهكذا بقينا ساعتين بين الرجاء واليأس، ثم أعلن كرة أخرى أن لا أمل يرجى وأنه سيعود الى البوابة، قلنا لعلها تفرج بدخول مطار أبو ظبي، ولكن، ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فقد ظللنا ثمان ساعات داخل الطائرة في الوضع الذي وصفت بانتظار ظهور الامبراطورة شمس، لإجلاء جيوش الجنرال ضباب لنتمكن من الرحيل، إلى الغد.

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s