أرسكين كالدويل

أرسكين كالدويل
أرسكين كالدويل

كان الفقر يحيط الريف كله، والاختلاف الوحيد كان في درجة هذا الفقر فقط، وأحياناً توجد إشارات وشواهد لبؤس أكبر. كان أبي يحملق للبيت الذي غادرناه لتوّنا: معظم الأسقف من الصفيح والأثاث مجرد سرير وعدّة حشيات على الأرض وبعض كراس ٍ من القصب. ويقول أبي بحزن: ذلك الرجل البائس لم تتح له الفرصة ليخرج من فاقته، إنه أسوأ من ضفدع طين في حجر، إنّه لمن العار أن يعيش الاَدميون بذلك الشكل، كل هؤلاء الأطفال ماذا سيصبحون حين يكبرون؟ ضفادع طينية في جحور).

هذا الكلام ليس عن دغلٍ في أفريقيا يعجّ بالأكواخ التي تجلدها الشمس ، وليس عن ريف بنجلاديش الرّازح تحت فيضانات الأنهار والبؤس والجوع، وليس عن أيّ بلدٍ في العالم (التّالف) حيث الفساد والحكومات الفاشلة والاستسلام للمصائر السوداء كما يستسلم المحكوم بالشنق وهو ينتظر التنفيذ بين دقيقة وأخرى، وإنّما هو عن الرّيف الأمريكي في النصف الأوّل من القرن العشرين وبالتّحديد في ولاية جورجيا الجنوبية التي كانت تزرع القطن والتبغ بكميات ضخمة لتذهب العوائد إلى جيوب خفية من الملاك هم وحدهم يعيشون في راحة (نسبية) حسب الروائي الأمريكي الشّهير (أرسكين كالدويل) المولود عام 1903 لأب قسيس يحصل على مساعدات من بعض الأثرياء بحكم عمله (لم نكن أبداً جوعى، لكن غالباً لم أكن أحصل على ما أحب أن اَكله، ومن دون شك كان الكثيرون حولنا يجوعون سنة بعد أخرى).

الجوع في عيون الاَخرين وسم ذلك الفتى الموهوب (كالدويل) فلم يمّح من ذاكرته حتّى عندما وصل إلى القمّة، بعد أن جاع طويلاً على طريق الصعود، حيث نخل البرد عظامه في ولاية مين التي نشد فيها جواً هادئاً للكتابة، فأهدت إليه الصّقيع الذي جعل الفئران تهرب من دهاليز سكنه لتنشد الدفء عند جيران تتوافر لديهم أخشاب الصّيف الجافّة وأصابه بتقرحات البرد في أطرافه. كتيّب (كيف أصبحت روائياً) لأرسكين كالدويل الذي ترجمه أحمد عمر شاهين، وصدر عن دار الهلال المصرية عام 1991 رافقني في رحلة السّرير الأبيض يوماً وبعض يوم، راسماً في نفسي (بانوراما) مشوّقة عن الحياة الثقافية الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين، وهي حياة لا مكان فيها للتنابلة (أكتب من 9 صباحاً حتى 6 مساء، ستة أيام في الأسبوع، عشرة أشهر في السنة، وسلّة المهملات تمتلئ دائماً في نهاية اليوم. لقد أعدت كتابة بعض القصص والروايات أكثر من 10 أو 12 مرة). وخارج وقت الكتابة وفي شهري الإجازة فَللُقْمَة العيش اللّصيقة بالجوع وللتّجوال لاكتساب خبرة الحياة والمشاهدة، فالقصص والروايات ليست وليدة تأمل أجوف كما يظن بعض المهوّمين الحالمين: (علّم نفسك الكتابة بالدرجة نفسها التي يعاني فيها أيّ فرد ليصبح ناجحاً في ميدانه من خلال التّمرين، فالأطبّاء والمحامون والخبّازون والحلاقون والميكانيكيون والمهندسون وعمّال الطباعة لابّد أن يتعلّموا بالخبرة، لماذا لا يكون الكتّاب كذلك؟ حين بدأ (كالدويل) يتذوّق الشهرة ويقطف الثمار بعد معاناة (خَلْس ) جلده مرات عديدة، فأخذ يهرب قليلاً من الدنيا المقبلة بعد إدبار، يتّصل به صديقُ من هوليوود حيث دجاجة الكتابة تبيض ذهباً مع بداية عصر السينما وليثنيه عن نيّته إلقاء سلسلة محاضرات في عدد من الولايات فيقول له: هل تعرف أين ينتهي الناس الذين يدورون في البلاد ويلقون المحاضرات؟ أين؟ في بيوت المسّنين التي يسمونها مدافن العجائز المساكين الذين كانوا يحاضرون. فيتحجج (كالدويل) بأنه وقع عقد إلقاء المحاضرات لتوّه، فيجيبه على الفور في التلفون (الاَن أولئك المحاضرون العجائز الذين يتطلّعون إلى بيت المسنين انتهوا إلى التسوّل. . إنه أمر محزن جداً). . لا أحتاج في ختام الموضوع الذي له صلة تذكير القراء بالمثل الأمريكي (إذا كنت ذكياً فلماذا لست غنياً). .


لم يعان الروائي الأمريكي أرسكيني كالدويل من الجوع والبرد والمعاملة التجارية الصرفة للعمل الأدبي كسلعة ذات عائد مادي فحسب، وإنما عانى من العقد النفسية لمراجعي الكتب (النقاد) في الصحافة، وما أشبههم في تقديري بالكثيرين من محاوري الفضائيات الذين يقارنون حضورهم ومعلوماتهم – وهم الذين أخذوا من كل علم بطرف في أحسن الحالات وفي الغالب مجرد أصوات باهتة لملقنين من خلف الستار – بالمتخصصين الذين يستضيفونهم والذين أفنوا أعمارهم في ذلك المجال، فالمبدع هنا هو الشجرة المثمرة والمراجع أشبه بالعابر يلتقط ثمرة جاهزة قد لا يستطعمها جيداً، وقد يكون عائفا نفسه فما بالك بطعامه:

ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضٍ

يجد مُرّاً به الماء الزُّلالا

ولذلك وصل كالدويل إلى مضمون المثل العربي «نافذة تأتي منها الريح سدها واستريح».. «لاحظت أن التعالي كان صفة عامة في معظم المراجعين، ويبدو أن هناك حقيقة مؤكدة في القول بأن كثيراً من المراجعين والنقاد هم مؤلفون فاشلون أو عشاق عاجزون وأنه لابد للناقد أو المراجع الجيد أن يظهر مقدرته أولاً في ممارسة الحب أو إصدار عمل إبداعي».

نشير إلى أن كالدويل قد عمل مراجعاً دون مقابل مادي سوى الاحتفاظ بالنسخ المرسلة إليه بكثافة وكان يقرأها ثم يبيع النسخة بربع دولار ليسدّ رمقه، ورغم تجربته فقد فوجئ بالروح العدائية التي تعصف في وجه كل جديد، ومن هنا عظمة وإنسانية وبعد نظر الكتاب الذين يرعون البراعم ويشجعونهم «كنت معتقداً بغباء أن نجاح الكاتب يتوقف بدرجة كبيرة على مقدرته في كسب ود هؤلاء كتاب المراجعات، ولم يعد لدي الآن مثل هذا التصور، وفي الوقت نفسه تعلمت درساً قاسياً، وإني مقتنع الآن بأن واجب الكاتب والتزامه يجب أن يكون أمام نفسه وأمام قارئه».

الإلتزام أمام النفس عادة يكون بالتجويد قدر الإمكان وصقل مقومات المهنة والصدق الفني «أولاً تعلم معاني الكلمات وطرق استخدامها، ثانياً تعلم كيف تكتب جملة توافق الفكرة التي تعبر عنها، ثالثاً أن يكون لديك ما يستحق القول قبل بدء القصة، رابعاً تعلم كيف تستخدم قوة العاطفة في القصة لتترك تأثيراً دائماً على ذهن القارئ».

أما الإلتزام بالقارئ فتحصيل حاصل إذا التزمت أمام نفسك، فالقارئ ليس غريماً ولو من الباطن كالمراجع الناقد حيث «خبازة ما تحب خبازة»، كما يقول المثل اليمني، والقارئ يقول للأعور يا أعور في عينه، وإذا أحب العيون النُّجل أشبعها غزلاً:

إن العيون التي في طرفها حورٌ

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

كان العرب يقولون إن فلاناً من الناس كان في بسطة من الرزق أو مستور الحال حتى لحقته حرفة الكتابة، بمعنى أنه انفضح أمام الخلق حيث أصبح الإملاق حليفه، والأسمال ملبسه:

حتى الكلاب إذا رأته مقبلاً

نبحت عليه وحركت أذنابها

وقد واجه كالدويل هذا الموقف في أحد فنادق هوليود المسمى «مارك توني» الكاتب الأمريكي الشهير، فبمجرد ما لاحظ موظف الاستقبال الآلة الطابعة تحت إبطه حتى سأله: أنت كاتب.. أليس كذلك؟ نعم.. لا توجد لدينا غرف للكتاب.. ولكن لماذا؟

لأنه لا يأتينا منهم إلا المتاعب، يأتون إلى هنا ويقيمون على الحساب ويفرون قبل أن يدفعوا وكل ما نجده بعد مغادرتهم حقيبة فارغة، ودائماً يخططون للهرب بآلاتهم الكاتبة بطريقة ما.

لا حول ولا قوة إلا بالله..


ليس كل الناس على شاكلة أصحاب فندق (مارك توين) في هوليود الذين رفضوا استقبال الروائي الامريكي أرسكين كالدويل لمجرد تشممهم أنه ينتمي إلى فصيلة الكتّاب حيث رأوا تحت إبطه الآلة الطابعة العتيقة ، وبحجة أن الكتّاب يهربون من الأبواب الخلفية حين يأتي أوان الحساب ، وعلى كل حال فذلك عصر قد مضى لسبيله بعد أن وطدت الكتابة أطنابها وأقامت عروشها بفضل أولئك الرواد – ما سواهم – الذين داسوا على الأشواك بأقدامهم الحافية ، ومن يتأمل عوائد كاتبة (هاري بوتر)ستذهله المكانة الشاهقة التي ارتقتها الكلمة الواصلة إلى الناس ، وبالذات مئات ملايين الأطفال الذين أصبحوا بين أهم المشترين في أسواق الكتب ، وهم فئة لم يكن معمولا حسابها من قبل ، كما أن تحولات عميقة في فلسفة تسويق الكتب وطباعتها والترويج لها قد كان لها نصيبها في قلب الحظوظ من السالب إلى الموجب ، ومن ذلك أن الطبعات الشعبية برخيصة قد اجتذبت ملايين القراء الذين يجدون كتب الجيب في البقالات معروضة إلى جانب الصحف اليومية والمجلات ، وكان للمسرح والسينما أثرهما كذلك فالعمل الروائي الناجح سرعان ما يمسرح أو تعاد صياغته سينمائيا على أيدي كتّاب السيناريوهات المحترفين وبذلك تتحول الثقافة إلى سلعة قيمة لها ثمن لأن الاعتماد على العواطف النبيلة وصدقات المحسنين لا تعدو أن تكون من أبواب المذلة وسرعان ما تنقطع بعد أن يتخللها المنّ والأذى وصور الرياء الكريهة، وفي تقديري أن الوطن العربي يحتاج إلى ثورة من هذا القبيل وهي لن تأتي بالضغط على زر كهربائي وإنما بعمل مخلص وترويج متقن وأساليب جديدة متنوعة تأخذ كل أنواع الكتابة والإبداع على بساط ريح يعبر الحدود التي تعفنت بسبب التقوقع الفطري ، فالناس من المحيط إلى الخليج يتكلمون لغة واحدة ولكنهم لا يقرأون سوى ما يكتبه المدجنون من فقهاء السلطان وأولئك (البين البين) الذين يفرضون على أنفسهم من الرقابة ما تعجز عنه أعتى السلطات ، أو أنهم لا يقرأون أصلا لا هؤلاء ، ولا هؤلاء .. وكفى الله المؤمنين.

ما علينا .. فقد تحدث كالدويل عن مدير فندق راق في نيويورك أنزله على الرحب والسعة قائلا له: ادفع ما تستطيع ، وقد شعر الرجل، أي كاتبنا، بالخجل بعد أسبوع لضآلة ما في جيبه ، فقال له المدير: ليس ضروريا أن تدفع يا كالدويل .. كما حدثناعن تلك المرأة الجورجية (مسقط رأسه في جورجيا) التي كشفت منبته من لهجته ، وقد آوته في غرفة حسنة وكان مرهقا فنسي السيجارة مشتعلة بعد أن استغرق في نوم عميق لم يُفِقّه منه إلا فرق الاطفاء الذين تعجبوا من حظه الذي يفلق الصخر، وكيف أنه لم يتفحم .. وقد طلبوا من صاحبة الفندق أن تسجل قائمة الخسائر فرفضت بإباء وشمم قائلة: كيف أستطيع ذلك وهو من (جورجيا) يعني طلعت بنت ناس ، ويبدو أن في عروقها دما عربيا (أنا وابن عمي على الغريب ، وأنا واخي على ابن عمي).

أما ما عجبت له فهو انطباع المؤلف عن الاتحاد السوفيتي الذي ذهب إليه في رحلة عمل كتابية فوجد المؤلفين هناك يعيشون في بحبوحة يحسدهم عليها الأمريكان وقد اكتشف أن بعضا من مؤلفاته قد ترجم ونشر دون العودة إليه ، ولكن الحقوق محفوظة ليس كلاميا وإنما في سجلات موثقة ، وقد تسلمها في حفل باذخ ووصف الموقف بالقول: (دخل محاسب ومساعده يحملان روبلات محزمة ، كل ربطة تحتوي على ألف روبل وبعد أن رتبت بعناية في صفوف على غطاء طاولة طلب المحاسب مني التوقيع وقد أعطوني حقيبة لوضع النقود فيها، أعطيت نصف المبلغ مدير الفندق ليحتفظ لي به ووزعت الباقي في غرفتي تحت السجادة وفي الدواليب وخلف الصور على الحائط .. تصور كان ذلك مع بدء الحرب العالمية الثانية التي نشبت وكالدويل في موسكو (والفضل ما شهدت به الأعداء).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s