وحُوشٌ حتَّى يتعارفوا

لا أدري بأيِّ وجهٍ جميلٍ تَكَحَّلَتْ عيناي هذا الصباح الخريفيّ الرائق، العليل الأنسام، الشجيّ الأنغام، الوافر الإنعام، لكأنَّني أطيرُ بأجنحة الغمام مع حَمَامَاتِ السلام، ذلك أنَّ عُيون المها في هذهِ المدينة الطبِّيَّة أكثر من زُهور الربيع الفاتنة، أين منها – كمَّاً ونوعاً – العُيون التي فَتَنَتْ «عليّ بن الجهم» في بغداد العبَّاسية :

«عُيُوْنُ المَهَا بَيْنَ الرُّصَافَةِ وَالجِسْرِ

جَلَبْنَ الْهَوَىْ مِنْ حَيْثُ نَدْرِيْ وَلا نَدْرِيْ»

إِذَاً، فَلأَقُلْ إنَّني «اصْطَبَحْتُ» بسربٍ من المها الآسيوي الطائر كالقطا بقيادة جآذر عربيةٍ أصيلةٍ ينطبق عليهِنَّ بحقٍّ – وإتقانٍ – قول «أبي الطيِّب» :

«أَفْدِيْ ظِبَاءَ فَلاَةٍ مَا عَرَفْنَ بِهَا

مَضْغَ الْكَلاَمِ وَلاَ صَبْغَ الحَوَاجِيْبِ

وَلاَ خَرَجْنَ مِنَ الحَمَّامِ مَائِلَةً

أَوْرَاكُهُنَّ صَقِيْلاَتِ الْعَرَاقِيْبِ

حُسْنُ الحَضَارَةِ مَجْلُوْبٌ بِتَطْرِيَةٍ

وَفِيْ الْبَدَاوَةِ حُسْنٌ غَيْرُ مَجْلُوْبِ»

أوَّل بشائر السُّعد ظُهور جرَّاح القلب الألماني الأشهر في هذا المُستشفى، الدُّكتور «جريجوري آيسنج»، الذي يُثني عليهِ الجميع ويُشيرون إليهِ بالبنان، وقد تبيَّن أنَّهُ لم يعلم أنَّني في انتظارهِ مُنذُ عشرة أيَّامٍ لأسمعَ منهُ، فقد قيل لهُ إنَّني… وإنَّني…، لم أشأ أنْ أقول لهُ بيت الشِّعْر العربي الشهير حول العلم واللاَّعلم، لأنَّهُ أرقّ من أنْ يتحمَّل :

«إِذَا كُنْتَ لاَ تَدْرِيْ فَتِلْكَ مُصِيْبَةٌ

وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِيْ فَالمُصِيْبَةُ أَعْظَمُ»

كان لهُ وجهٌ طُفوليٌّ – «بيبي فيس» – لا يحتمل سوى الصدق مقروناً بالدهشة، عَرَضَتْ لهُ المُمرِّضة العربية – بديعة الترجمة والحُضور الذهني – «عبير» ما كتبتهُ عنهُ في عدد الأمس، وقد فغر فاهُ تعجُّباً وهُو يرى أنَّ النصال تَكَسَّرَتْ على النصال، دُون أنْ يكون حاضراً في المعركة، وهُو المعنيُّ بها، قُلتُ لهُ : «إنْ هي إلاَّ مُداعباتٌ ليس إلاَّ، وإنَّ زيارتهُ اليوم لي قد مَحَتْ كُلّ أثرٍ»، ثُمَّ أمطرتهُ بالأسئلة، وكان الرَّجُل كريماً، فقد أفاض وَطَمْأَن، حتَّى وصل إلى حُدود الـ (89%).،

طبعاً يا أحبَّاء : «الطبُّ تطوَّر جدَّاً»، وَفَهِمْتُ منهُ أنَّ مُستشفاهُ في «ميونيخ» – مركز القلب الألماني – يُجري ألفي عملية قلبٍ في العام، لم يعودوا يجوسون في جسد الإنسان مثل مُستكشفي الأدغال في القرنين الثامن والتاسع عشر، وإنَّما هُم يسيرون الآن في طُرقٍ مُمهَّدةٍ مُضاءةٍ محكومةٍ بالإشارات حتَّى يقبضوا على الشريان المطلوب، فيُحوِّلونهُ من مكانٍ إلى مكان، ليقوم بما عجز عنهُ سابقهُ الشريان التَّلْفَان، وإنَّهُ لَيَأْلَف مكانهُ الجديد، ولا يبكي على ما كان، شأن «المتنبِّي» :

«خُلِقْتُ أَلُوْفَاً لَوْ رَجِعْتُ إِلَىْ الصِّبَا

لَفَارَقْتُ شَيْبِيْ مُوْجَعَ الْقَلْبِ بَاكِيَا»

ودَّعتهُ شاكراً ومُمتنَّاً وأنا أقولُ لـ «عبير» : «تَرْجِمِيْ لهُ ما قُلتُ وما سوف أقولُ، وبيننا صباح الغد في (الجريدة)، وإنَّ غداً لناظرهِ قريب».

طبعاً ثلاثة أرباع كلامي حواشي، وحواشي على الحواشي، ولا مكان لهُ من الإعراب لدى الألمان، كما هُو لدى الإنجليز والفرنسيين، ولا يشبهنا أحدٌ في تلك الأصقاع الباردة سوى الرُّوس، ففي لُغتهم من المجاز والعواطف الحارَّة ما في لُغتنا الجميلة المُنسابة بين الماء والسماء، كالحسناء اللَّعوب، تَنْحَتُ ما شاء لها الخيال أنْ تَنْحَتَ من المباني والمعاني وأصناف الجمال :

«عَلَيَّ نَحْتُ الْقَوَافِيْ مِنْ مَعَادِنِهَا

وَمَا عَلَيَّ إِذَا لَمْ تَفْهَمِ الْبَقَرُ»

قُلْ يا سيِّدي، تَحَزَّمْتُ وَنَزَلْتُ إلى الطابق الأرضي، حيثُ تُباع الجرائد والزُّهور والهدايا، وإذْ عُدْتُ بحملٍ من جرائد الصباح، وَجَدْتُ الدُّكتور «آيسنج» ينتظرني وفي يدهِ «أوراق ميونيخ»، التي تُعرِّف بمركز القلب، وقد مَهَرَهَا بختمهِ وتوقيعهِ قائلاً إنَّهُ عَمِلَ جرَّاحاً (51) عاماً في المركز، ولو مرض والدهُ ما أخذهُ إلاَّ هُناك، ونبَّه عليَّ أنْ أستعين بهِ وباسمهِ في أيِّ وقت.

لَكَمْ شَعَرْتُ أنَّنا صديقان، وحقَّاً ما قالهُ الرَّسُوْل الكريم صلَّى اللَّهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم : «النَّاسُ وحُوشٌ حتَّى يتعارفوا».

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s