من جاور المُسعد سَعِد

فوجئت بالغربي «أظنه انجليزيا» والذي يشاركني الغرفة رقم 28 بالطابق الأول في مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبو ظبي يلبس الفوطة التي يلبسها أهل اليمن وأهل أندونيسيا ويتمشى بها متبخترا في العنبر البالغ الطول، ابتسمت بيني وبين نفسي وقد عجزت عن فعل ذلك، متذكراً قول أبي الطيب في كافور:

بها نبطي من أهل السواد

يعلّم أنساب أهل الفلا

لكم هو المتنبي حاضر في حياتنا يقرعنا وينبهنا ويسلينا ويدفع عنا غائلة الملل والسخرية السوداء، والتغرب في أوطاننا العربية، مثلما تغرب في شِعب بوّان:

مغاني الشِعب طيب في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيه

غريب الوجه واليد واللسان

طبعاً، كان ذلك في بلاد فارس، ومن الطبيعي أن الشِّعب «بكسر الشين مع شدة» ينطق بلغة أهله، حتى أن سليمان عليه السلام وهو الذي أُلهم لغة الطير، لو سار فيه لسار بترجمان حسب تعبير أبي محمد، ولكن لو عاش المتنبي إلى زماننا هذا لرأى العجب العُجاب من تراجع لغتنا ليس على ألسنة الاجانب، ولكن على ألسنتنا نحن أهل الدار، لدرجة أننا نخجل من المتحدث بها إلى الآخرين، فنسرق من ألسنتهم بضع تعابير اصطلاحية لتمشية أمورنا ليس إلا وفيما دون الحد الأدنى، دون أن نشعر بالهوان الذي علقه المتنبي أقراطا صدئة في آذاننا الصماء:

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

مررت على لوحات الإعلانات في المستشفى فهالني طغيان الانجليزية، ولكن حين نظرت إلى الكادر المارق عن يمني ويساري قلت هذه اللغة لهذه الألسن، أما نحن فلا هنا ولا هناك، فلماذا الزعل؟ لكزني الانجليزي «أبو فوطة» وأنا مشدوه أمام إحدى اللوحات فقلت له بلغة أبي الطيب:

يا أعدل الناس إلا في معاملتي

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

قال لي: وات؟.. قلت.. الله الله بلغتنا، إنها أمانة في أعناقكم.. خمن الرجل كما يبدو أنني أصبت بلوثة فأسرع الخطى، وأنا وراءه أردد ما قاله حافظ إبراهيم على لسان العربية:

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

وسعت كتاب الله لفظاً وغاية

وما ضقت عن آيٍ به وعظات

خابرت ابني عمار آمراً،ائتني بثلاث فوط أصلية وكتاب ابني «كيف تتحدث الانجليزية في سبعة أيام» وخلي الدنيا تحبل بقرد – على حد تعبير أصحابنا الذين عيدهم يومهم – من أصحابي الصعاليك:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله

ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي

وضع لغتنا اليوم أشبه بوضع الزوجة «أم العيال» التي تطلب مساواتها بالضرة «ليلة بليلة»، ولكن هيهات، فالزوج طويل العين، يقول لها: يا حاجة اشتري لك مسبحة وافرشي سجادتك واطلبي من الله حسن الختام، فيما العيال منصرفون لدنياهم لا يدرون أيان مسراها ولا أين مجراها.. وكان الله في العون، لأن الحسناء باين عليها «باتكوش على كل شيء».

جاري «أبو فوطة» متزوج من آسيوية «وكل غريب للغريب نسيب» كما قال جدنا امرؤ القيس، تعمل في النهار بعد أن تحضر له «الجريدة» ثم لا تفارقه بعد ذلك حتى صباح اليوم التالي، الغربيون يفتقدون هذا الدفق الشرقي الحميم «ليس شرقنا طبعا» فهي رفيقة وممرضة وجليسة وزوجة وأم، وتشعر أنها مقطوعة من شجرة إلاهـ، وهو مقطوع من شجرة إلاها.. عذوبة وانسجام وتعاون تام على قطع مسافة ما بين خريف العمر وغروبه، وما بين ذهابها إلى العمل وعودتها يوزع وقته بين الكمبيوتر المحمول والجريدة فإذا ما أهلت جلبت معها الأمطار الموسمية وزهور الربيع الندية فيصبح بين المرضى كأنه «كاتدرائية» وستمنستر حين تضاء أو اوبرا القاهرة حين افتتاح قناة السويس أو ليالي الأنس في فيينا بصوت أسمهان الساحر.. ومن جاور المُسعد سَعِد.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s