واحةُ المرض…

الواحة هي البقعة الخضراء الوارفة رقراقة المياه في قلب صحراءٍ قاحلةٍ مُترامية، ويُمكن اعتبارها، بهذا المعنى، جوهرة الرمال، والمُستشفيات الحديثة، التي وَسِعَتْ كُلَّ التخصُّصات، تضمّ العديد من هذهِ الواحات، بعضها خصيبٌ مُمتع، وبعضها فقيرٌ مُدقع، وفي الحالتين هي أفضل من مَهَامِهِ الرمال وَبَلاَقِعِ السراب واحتمالات التصحُّر المرضي الذي يقضم التجمُّعات السُّكَّانية الحديثة وأساليبها العشوائية في العيش ونزيفها وسط المُلوِّثات التي تُغرقها من الجوِّ والبرِّ والبحر، وحيثما تولُّوا فثَمَّ وجه المرض، ولا منجاة إلاَّ بالهُروب إلى الواحات، حيثُ المُمرِّضات كالفراشات، والطبيبات كالأُمَّهات الحانيات، والأطبَّاء يبذلون ما وسعتهُم الإنسانية وقسم «أبو قراط».

في اليومين الماضيين عَجِزْتُ عن الكتابة، يداً ورُوحاً، قُلْتُ هي استراحة المُحارب إذاً، ولكُلِّ حصانٍ كبوة، ومع ذلك ظَلَّتْ أحلامي المُتقطِّعة زاخرةً بعناوين المواضيع ورُؤوس الأقلام، كُلَّما دَاوَيْتُ جُرحاً سال جُرحٌ، والمرءُ قد يُشغل بالأوهام ما لا يُشغل بالإلهام، وكفى بذلك انحصاراً بين هَمَّيْنِ وَسَفَرَاً بين شَبِيْهَيْن، لكنَّني هذهِ المرَّة، كُنْتُ قد اسْتَوْعَبْتُ درس القراءة، قراءة الإشارات التي يبعث بها الجسد، فَعَقِب تفاقم الآلام في الكتفين وانبعاثها عميقاً من جُذور التنفُّس، قُلْتُ لصاحبيَّ الدُّكتور صالح القينحي وأحمد غالب العفيفي، ونحنُ جالسون إلى المقهى : «يبدو أنَّ طريق (النُّوبة) أخذ يتمهَّد على طريقة القصف الأمريكي لبغداد قبل الاجتياح»، قالا : «احذر»، قُلْتُ : «لا حذر يُنجي من قَدَر»، ومع ذلك فإنَّ «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج».

وكان أنْ طَلَبْتُ من ابني «خالد» المُسارعة بي في صباح اليوم التالي إلى طوارئ مدينة الشيخ خليفة بن زايد الطبِّيَّة في «أبو ظبي»، ذات العمارة المغربية – الأندلسية على طريقة منارة جامع الكتيبة في الدار البيضاء، تشيع الطمأنينة وتُوسِّع في النَّفَسِ إذا ضاق التنفُّس، الأطبَّاء والمرضى وعُمَّال الهوامش أدمنوا هلع القادمين وانكسار المُغادرين وتعايش المُقيمين قبل أنْ يظعنوا مُجدَّداً.

هُنا يتجلَّى الطبّ عمارةً عظيمةً مُتعدِّدة الطوابق حاضرةً بمُختبراتها وآلاتها وأجهزة تشخيصها، ولا يستطيع أحدٌ تكذيبها أو تجاوز قراءاتها للنصِّ المرضي، وفي الأخير تتجمَّع عوامل اتِّخاذ القرار، وهُو أمرٌ جدّ خطير، شأن السياسي، تتجمَّع على مائدتهِ الاحتمالات والتقارير والآراء، وعليهِ تحديد المجرى الذي يصبّ فيهِ نهر الأزمة.

ذَهَبْتُ إلى القسطرة، فقيل لي إنَّ الدعامة التي رُكِّبَتْ في أطراف الشريان التاجي قبل أربعة أشهُرٍ هُنا قد «نَدُبَتْ»، أي خَلَّفَتْ نَدْبَةً كتلك التي يُخلِّفها الجُرح، فَأَعَاقَتْ مجرى الدم، وهذا سرُّ تقطُّع النَّفَس والآلام المُصاحبة عند بذل أيّ مجهودٍ ولو كان ربط خيط الحذاء، (أكرمكُم اللَّه).

أسرَّ لي صاحب تجربةٍ أنَّ الدعامات أنواعٌ تتراوح أسعارها – على سبيل المثال – بين مائتي دُولارٍ وما يفوق الألف، قُلْتُ : «هذهِ معلومةٌ جديدة، فقد زرعوا ما زرعوا دُون أنْ يسألوا»، قال لي : «ومتى فَحَصْتَ بعد العملية؟»، قُلْتُ : «كُنْتُ على قائمة الانتظار، كما قيل لي، واللَّهُ أعلم، وها قد مَرَّتْ الأشهُر الأربعة فَعُدْنَا إلى نُقطة الصفر دُون أنْ تُتاح فُرصة الفحص، حتَّى أنَّني خَجِلْتُ من كَثُرَة الاتِّصالات، ودائماً يكون الردّ : (عندما يظهر اسمكَ على الشاشة سنتّصلُ بكَ، لا داعي للتعب)»، و«ما الحلّ؟»، قالوا : «دَعْنَا نُبشِّركَ أنَّ الدعامية الثانية التي أَسْنَدَتْ الشريان (الأبهر) صامدة»، قُلْتُ : «هذا من كرم اللَّهِ وإحسانكُم، هاتوا ما يلي»، قال الطبيب : «لا أنصحكَ بالبالون، لكي لا يكون (ضغثاً على إبَّالة)»، أي بالوناً على شبكية، فرُبَّما انطبق – بعد ذلك – المثل : «فلا ذا تأتَّى ولا ذا حصل»، والنصيحة فتح الصدر والعمل الجراحي.

قُلْتُ : «الأمرُ يحتاج إلى أخذٍ وعطاء، فحيثُ يُوجد المِشْرَطْ يُوجد الخطر، وهُناك مَثَلٌ يقول : (الجرَّاحون يقومون بكُلِّ شيءٍ وهُم لا يفهمون شيئاً، والباطنيون يفهمون كُلَّ شيءٍ لكنَّهُم لا يفعلون شيئاً)»، وأنتَ احسبها يا فهيم»، وحين يفهم عنكَ أحدٌ يكون جِلْدُكَ قد وصل المدبغة.

ذَكَّرْتُ المُحاسب اللَّبيب المُتلهِّف على أكل الزبيب، بمبدأ «حقّ الحياة»، الذي أَمَرَ بهِ الشيخ «زايد – رحمهُ اللَّه وطيَّب ثراهُ – والذي أَشَدْتُ بهِ في مقالاتٍ سابقة، فقال لي : «الأمر تغيَّر»، وأعطاني أسعاراً للغُرف لا أَزَالُ أَظُنُّ أنَّهُ يمزح بنُطقها، لأنَّ لا فُندق قصر الإمارات، تاج محلّ غرب آسيا، ولا فُندق بُرج العرب، التُّحفة العالمية، يجرؤان على النُّطق بها، قُلْتُ : «لكُلِّ حادثٍ حديث».

زارني سفير الجُمهورية اليمنية الأُستاذ عبداللَّه حُسين الدفعي، في صباح أوَّل يوم عمل لهُ في الإمارات، قُلْتُ لهُ : «كان الواجب أنْ أَكُوْنَ في استقبالكَ»، قال : «فخامة الرئيس يُريد أنْ يطمئنَّ عليكَ»، تَحَدَّثْتُ إلى الأخ الرئيس وقُلْتُ لهُ : «نصفُ العافية من اتِّصالكَ وسُؤالكَ، أبقاكَ اللَّه ذُخراً لنا وللوطن»، ولا أراكُم اللَّه مكروهاً.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s