قمة الـ “…” !!

في 31 أكتوبر الجاري وعلى مدى أربعة أيام تنعقد في العاصمة الهندية نيودلهي القمة العالمية السابعة للمراحيض بمشاركة خبراء الصحة من 40 دولة , ولا أدري حقا وصدقا، لاتهكما، إذا كانت اية دولة عربية مشاركة في هذه القمة. ذلك أن عقليتنا القروسطية مازالت تأنف من الحديث في مثل هذه الامور المنتنة بل إن الأطفال الذين سيغدون شبانا ورجالا وكهولا مسؤولين يضربون بعد أن ينهرونا إذا تحدثوا في هكذا أمور مزرية, ويبدو أن للأمر علاقة وطيدة بالبداوة حيث المرحاض فضاء الله الواسع والماء يحرّم حتى على الزرع لأن الإنسان أولى به حتى لا يموت عطشا في مجاهل الصحراء, ولذلك تعلمت الجمال، وهي سفن الرمل، كيف تخزن المياه في خزانات بجوفها والطعام في أسنمتها حين يتوفر الاثنان لأنها تعلم علم اليقين أنه سيأتي وقت لا طعام فيه ولا ماء وأن صاحبها ربما نحرها ليأكل من لحومها ويشرب مما في جوفها إذا اضطر إلى ذلك، وهذه قصة أخرى ليس هنا مكان سردها ومروياتها , وإنما الشيء بالشيء يذكر. ومع ذلك أين نحن من ذلك الزمان الذي ساد ثم باد وأعقبته عصور سكن فيها الأعراب المدن العظيمة والقصور المشيدة وعلى ضفاف الأنهار الجارية والخضرة الضافية فأصبحوا عربا يقودون ركب الحضارة الإنسانية ويتفننون ويبدعون في كل ما يسعد الإنسان ويحفظ صحته ويبعد عنه المضار والأذى, وفي الوقت الذي لم تكن تعرف فيه باريس ومدن أوروبا معنى كلمة “مرحاض” كانت مدن الأندلس غرناطة وقرطبة وغيرها ومدن الشرق العربي في القاهرة ودمشق وبغداد وصنعاء قد ابتكرت النظم الصحية والحمامات العامة ونظام الاحتساب الذي يراقب الأداء الصحي في الأسواق والنزل والأربطة , ثم انحدر الحال كما هو شأن الدنيا في صعودها وهبوطها فأهملت تلك المرافق بضعف الدول وهوان الحكام وانصراف الناس للتكتم والتظاهر بالفقر خوفا من البطش والنهب حتى غدا الاستثناء قاعدة فأنس الناس إلى ما يكرهون ونسوا ما يحبون إلى أن استيقظوا في العصر الحديث من نومة أهل الكهف فوجدوا الدنيا غير الدنيا وأن عليهم أن يخوضوا في الوحل إذا ما رغبوا في الوصول إلى الأنهار الجارية.. وتعاني المدن المتكدسة اليوم بالسكان والمزنّرة بالعشوائيات من مشكلة المجاري أو بالأصح مصيبة المجاري التي تجلب الحشرات والأوبئة والروائح الممرضة وكلما تأخرت الحلول بسبب سير السلحفاة التي يفضل الفاسدون ركوبها حتى لا يقعوا من على ظهورها لأنهم إذا امتطوا الأرانب فربما وقعوا في جب بالوعة لا يرى لهم أثر من بعدها.. نسير بفضل الله خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء مع بعض الاستثناءات وقد ارتفع الوعي العام الآن في ما يخص المراحيض المنزلية الذي كان يقول عنها العقاد، رحمه الله، أن من أراد الزواج من أسرة وأحب أن يرى أم عياله المستقبلية فيذهب إلى حمام أهلها ليستكشف مستواهم الحضاري، ولكن في ما يخص الحمامات العامة فإن الوعي لم يتجاوز الصفر ومن أراد معرفة ذلك فليذهب إلى حمامات المساجد التي يفترض أن لها حرمة بحكم تابعيتها لبيت من بيوت الله، أما حمامات الأسواق فلا داعي للذهاب إليها أصلا إلا إذا كانت بإدارة خاصة، وقد اشتبكت امرأتان بحضوري في سبعينات القرن الماضي إحداهما تركية والأخرى عربية فكان مما عيرت به العربية زميلتها أن الدخول إلى الحمامات العامة في تركيا بفلوس وكفى بذلك عارا، فردت التركية بالقول: نعم.. ولكنك تدخلين مرحاضا نظيفا لامعا وتجدين الماء والصابون والمنشفة والعطر، أما في بلادكم.. ولم تكمل.. وأتذكر أن استفتاء أجري في أمريكا حول أهم منجزات الحضارة فكان من بينها اختراع نظام المجاري الحديث الذي لولاه لاستحال نهوض المدن الكبيرة وناطحات السحاب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s