المعلوماتية أو الإنقراض

إلى أين ستصل بنا الثورة الرقمية وهل هناك حدود تقف عندها ويمكن تخيلها؟ لا أظن احداً من عُتاة الخبراء يمكنه الإجابة على ذلك لأنها ثورة مفتوحة على كل الآفاق وتقتحم كل المجالات بلا استثناء ولم يسبق لعدد مهول من البشر أن عملوا في خدمة انقلاب حضاري شامل مثلما هو الحال مع تكنولوجيا المعلوماتية والرقائق التي تصغر مساحة وتتسع معرفة وإعداد البرامج المعقدة الإنجاز السهلة الاستخدام وتزويد الآلات بالذكاء الاصطناعي الذي يجعلها تتحاور مع العقل البشري في ندية ولكنها تتجاوزه في القدرة على تنظيم محتويات الذاكرة واستخدامها واستخلاص النتائج التي تذهل أي عبقرية تعتمد على الموهبة، فالإنسان الآلي أثبت قدرته على إلحاق الهزيمة بأمهر لاعبي الشطرنج العالميين كما أثبت جدارته باجراء عمليات جراحية مأمونة والقيام بأعمال صناعية رتيبة على مدار الأربع والعشرين ساعة بما يمكن من الاستغناء عن اعداد كبيرة من العمال المهرة وقد تمكنت غرفة المراقبة التي تتحكم بكاميرات تشمل مدنا بكاملها مثل لندن أو نيويورك من تسجيل كل صغيرة وكبيرة تجري في ذلك الفضاء الشاسع الذي يضم البشر والمركبات وأماكن الترفيه والحركة الدائبة والاحتكاك الدائم بين مختلف عناصر المكان وأن تحتفظ بكل ذلك في ذاكرة هائلة موثوقه يمكن الرجوع إليها.

وقد سجلت كاميرات مترو لندن صور اولئك الشباب الذين فجروا القطارات وأمكن ضبطهم خلال وقت وجيز بفضل تكنولوجيا المعلومات المتواشجة بالكمبيوتر.

إن نظرية الروائي البريطاني جورج اوريل عن الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء حتى في غرف النوم هي اليوم طور التحقق ولولا أن الإنسان بطبيعته لا يتخلى بسهولة عن عاداته التي درج عليها ومنها الميل شبه الغريزي إلى الحفاظ على الحياة الخاصة وعدم ترك العنان للفضول وحب التلصص لتدمير كل شيء لكان كل إنسان يراقب كل إنسان ويتتبعه في كل مكان بالصوت والصورة.

إن رب العمل يستطيع دون عناء مراقبة كل ما يجري في مصنعه أو مكاتبه وضبط كل المكالمات الصادرة والواردة والتجسس على النجوى العاطفية بين موظفة وزميل لها على بعد مئات الأميال.

الأجهزة على الدوام تقوم بدورها الذي صممت من أجله ولكن القرار بالإستخدام أو بالاستبعاد لا يزال بيد الإنسان وقد يأتي وقت يكون بيد الأجهزة ومع ذلك فإن الخير والشر لا يكمن اساساً في التطور العلمي وإنما في الاستخدام الأخلاقي المناط بالبشر.

وهذه امور يصعب ضبطها أو وضع مدونات تقننها لصلتها الكبيرة بالنوايا وما تخفي الصدور وسيظل التوجس بين الانسان ومخلوقاته موضوعاً للتأمل والمواثيق الناقصة.

الأمر المؤكد في معمعة الثورة المعلوماتية المتدفقة مثل تسونامي أعقب زلزالاً ضرب البحر بدرجة 9 على مقياس ريختر هو أنها لا يمكن أن تتراجع إلى الوراء أو تعود في أي زمن من الازمان القادمة الى نقطة الصفر التي انطلقت منها فقد فات الأوان على ذلك واصبحت في صميم التعامل التجاري والربحية وقوانين السوق وهي تتصدر الصادرات للمتقدمين في مضمارها ثم أن التحكم في تطورها موزع بين امم متباعدة بعُد الصين واليابان عن الولايات المتحدة وكندا أو بعُد فنلندا صاحبة نوكيا عن كوريا الجنوبية صاحبة سامسونج وتحكم عمليات المنافسة المشتعلة عمليات التطور لأن السباقين الى الأسواق يكسبون أكثر وهم يدركون ان هناك من يعمل ليل نهار لزحزحتهم عن المكان الاول وهذا ما يؤمن به (بيل جيتس) صاحب ميكروسوفت الذي يقول انا على يقين على الدوام أن هناك عقلا ما في مكان ما من العالم يخطط ويعمل للتفوق وسيدرك مرامه طال الزمان أم قصر فذلك بمثابة قانون.

وتسعى الدول الرشيدة لإعداد أجيالها لاستقبال منجزات الثورة الرقمية والتعامل معها من خلال البرامج الدراسية ليس هذا فحسب وانما إدماج العمل التربوي – التعليمي عميقاً في صلب المعلوماتية فقد تغير وجه الزمان ومن لا يدرك ذلك فهو يسير نحو الانقراض والفناء؟

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s