مذاهب الرؤساء

يُواجه ساسة العالم ورؤساء الدول وغيرهم من الرئاسات الصغيرة نزولا بالتسلسل العكسي حتى رؤساء الجمعيات التعاونية مشكلة الصورة التي يكونها عنهم جمهورهم لكي يبقى تأثيرهم وسحرهم الذي جلبهم إلى الموقع الأول عاملا وفعالا.

ولأنه إذا ما لمع غيرهم وكان له من الطموح ما لهم أو ربما أكثر منهم فإنه سيهدّد مواقعهم وربما يؤذن باجتياحها وخراب ديارهم، ذلك أن الديمقراطية المفترضة يمكن خداعها بالحيل التي تخدع بها هوليوود أنظار مشاهدي الأفلام، ولتلك الحيل عباقرتها الذين يبدعون في تحويل السراب إلى أنهار والتراب إلى جواهر متلألئة، ولا يهم بعد أن يقع الفأس في الرأس أن يكتشف الناس أنهم اشتروا الهواء وفصلوا منه قمصاناً تجعلهم عرايا في وضح النهار.

وفي سبيل هذا الغرض المشروع شكلاً والمشبوه مضمونا تُصرف مئات ملايين الدولارات على ما يتم تلطيفه فيسمّى “علاقات عامة” وهو في الواقع ضحك على الذقون ومحاولة لصناعة رأي عام مفصّل عند “ترازية” الدعاية، وقد أصبح سوق العلاقات العامة صناعة كبرى يلجأ إليها الأفراد والشركات والدول ومن يبشرون بالجنان أو ينذرون بالنيران، ولكلٍ بضاعته وأسلوبه ومسوقيه وفي النهاية وكما هو الحال في التجارة فإن من يغطي التكاليف هو المستهلك النهائي سواء كانت تلك البضاعة سياسية أو أمنية إخضاعية أو خدماتية أو بضائعية. ولعل البعض تابع النتائج التي ترتبت على الأخبار غير الصحيحة حول صحة الرئيس المصري حسني مبارك، فقد قادت صحفيين مشاهير إلى المحاكم والسجون وهذا من منظور أن صحة الشعب هي من صحة الحاكم والعكس صحيح، والحاكم – أي حاكم – يحب أن يظهر أمام شعبه في صورة الشاب القادر على إمساك الأمور والعمل 18 ساعة يوميا دون أن ينتابه تعب، ولذلك فإن صحته هي من أسرار الدولة الكبرى، ولم يعلم الناس إلا بعد وفاة الرئيس الفرنسي “بومبيدو” أنه كان مصابا بأمراض خطيرة تم إخفاؤها لتستمر عجلة الدولة في الدوران، ولتستمر صورة الرئيس في اللمعان. بعض الرؤساء يفضل صورة الحاكم المرهوب الجانب ومن ذلك تهديد الرئيس السادات للمعارضة بالعزم وقد عبر عن ذلك بالصوت وبحركة اليدين وكزّة الأسنان، وهو رحمه الله كان بارعا في التمثيل، ولعلنا رأينا فيلما لصدام حسين وهو يردد بـ”تمزيع” مستمعيه وكانوا عسكريين كما أتذكر، بيديه العاريتين وكان صوته أكثر إخافة من السادات لاقتران تاريخه كله بالتمزيع وهو سلخ اللحم عن العظم وتفتيته على طريقة صانعي السندويتشات، وفي اليمن يتذكر الناس عودة الإمام أحمد من روما التي ذهب إليها للعلاج حيث خطب في الحديدة خطبة نارية هدد فيها باقتلاع رؤوس “العصاة” مشيرا إلى فرسه وسيفه وهو يقول “هذا الفرس وهذا الميدان ومن كذب جرب” وقد أطارت خطبته رجال القبائل الذين كانوا في الحديدة فلم يبيتوا إلا على رؤوس الجبال، ذلك أن للكلمات أحيانا فعل القنا إذا ما صدرت عن مُجرّب، ولعل مثال الحجاج بن يوسف الثقفي يفي بالغرض إذ سجل التاريخ خطبته حين تولى العراق والتي قال فيها: إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لقاطفها” ثم أعمل السيف في الناس حتى هجّوا في الأقطار، ثم ألهاهم بالفتوح التي أبلوا فيها البلاء الحسن.

وفي تقرير صحفي يرصد التبدلات في تقديم صور الرؤساء ورد “لم يعد أي شيء مستبعدا في عالم السياسة لذلك لا تستغرب إن رأيت رئيس دولة يروج لمنتج يتعلق بالأزياء والإكسسوارات أو تتصدر صورته وهو في كامل أناقته غلاف مجلة أزياء متخصصة في موضوع لا علاقة له بأجندته السياسية.. وضرب التقرير أمثلة بعيدا عن العزم والتمزيع والفرس والسيف والرؤوس التي حان قطافها.. وللرؤساء فيما يعشقون مذاهب.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s