شبح الجوع

رجحت تقارير اقتصادية دولية حديثة أن تسجل فاتورة واردات الحبوب لبلدان العجز الغذائي الفقيرة زيادة كبيرة للسنة الثانية على التوالي لتبلغ رقما قياسيا مقداره 25 مليار دولار في الفترة 2007-2008م وذلك بزيادة 41 بالمائة عن العام الماضي مما سيخلق ضغطا كبيرا على موازنات تلك الدول .

غني عن القول ترداد المقولة القديمة من أن « الجوع كافر» أي ان الجائع لا يستمع الى أي لغة اخرى ،سوى ما يصدر عن معدته الخاوية، فالتبريرات وألاعيب السياسة والسياسة قد تكون مقبولة بعد الحد الادنى من الشبع ، وبالتالي فإنه من باب هدر الوقت وقصر النظر وتقريب الاجل الانصراف عن العمل الجاد لتأمين حق الغذاء الى اغراق السوق بالكلمات التي لا تغني ولا تشبع من جوع ،وهناك مخارج كثيرة تعيها الحكومات الرشيدة ، فالموقف في العديد من البلدان النامية العاجزة عن دفع فاتورة الغذاء لابد أن يرقى الى مستوى اعلان الحرب على الفقر المستشري بكل ما تعنيه الحرب من تفعيل وتعطيل وتقنين لان المطلوب هنا هو تحقيق النصر على المجاعة بعد أن تآكلت قيم العملات الوطنية لتزيد الطين بلة وتقضي تماما على الطبقة الوسطى التي تمثل الدينامية الاجتماعية للتطور، ففي بعض البلدان وخلال العقدين الماضيين فقد ذوو الدخل المحدود حوالي 90% من القوة الشرائية لدخولهم حتى وصلوا الى التسول لان الجوع كافر ويمحق الكرامة ويعفو عليها كما تعفو النار على كوخ من سعف النخيل اليابس.

وبحسب آخر تقديرات منظمة الاغذية والزراعة الفاو فإن سوء التغذية يطول 458 مليون نسمة في العالم منهم 9 ملايين في البلدان الصناعية و53 مليونا في البلدان التي تعيش مرحلة انتقالية و280 مليونا في البلدان النامية أو بالأصح «النايمة» التي يقترب سكانها من مقولة ابي ذر : عجبت لمن ينام جائعا كيف لا يخرج شاهرا سيفه على الناس .

واضح هنا العلاقة الطردية بين الفقر والنمو ونضيف الى انيميا النمو حيث يأكل دود الفساد لب الموارد المتاحة للاستثمار في كثير من الدول النامية ، فلا يبقي سوى القشور الى الدرجة التي تشير فيها تقارير موثقة الى أن بعض الحكومات الفاشلة لا تستفيد من جل المعونات المتاحة مجانا لعجزها عن تقديم دراسات الجدوى، اضافة الى عرقلة الفاسدين لمشاريع لا يجدون منفذا للتربح منها ، وهذا معلوم وعلى رؤوس الاشهاد ، لأنهم لم يروا عصا تفلق رؤوسهم أو سكينا تحز رقابهم ، علما أن عملهم هذا في ظل تفاقم الجوع يصنف من أعمال الحرابة ، نضيف الى ذلك الزيادات السكانية غير المسبوقة وبطالة الشباب والهجرة من الريف الى عشوائيات المدن وترك القطاع الزراعي لمواجهة قدره في ظل شح المياه التي يتقاتل على القليل منها السكان والاشجار في ظل التقنيات القديمة في الانتاج الزراعي وفتح الابواب على مصاريعها لتصدير المنتج الذي تمس حاجة السكان اليه تحت ضغط اغراء الحصول على عوائد بالعملات الصعبة ، وما يطمئن إليه المزارع الفرد من فارق السعر لمنتجاته الحيوانية والغذائية ، علما أن الوسطاء الذين يشبهون الاشجار المتسلقة يحصلون على اضعاف ما يحصل عليه الفلاح الحالم.

نشير الى أنه في العام 1996م أنعقدت القمة العالمية للغذاء في روما بحضور 581 بلداً منها 28 مثلت برؤساء الدول والحكومات وقد أقرت القمة حق الانسان – كل إنسان – بالتمتع بالقوت المناسب الكافي ، وأن يقيت نفسه بكرامة بدلاً من أن يقيته الآخرون .. وهو ما يفرض حسن الادارة وقيام سياسات وطنية مبنية على الانصاف والعدل واحترام حقوق الانسان .

إن الجوع أخطر على المجتمعات من الأسلحة النووية فهل نعي هذه الحقيقة ؟.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s